حبارات يكتب: كيف أضاعت حكومتي الوفاق والوحدة فرصة إستعادة الدينار لقوته؟

42

كتب: نورالدين حبارات المهتم بشأن الاقتصادي مقالاً

الدينار الليبي وكما هو معروف تعرض لإنتكاسات وإهنزازات كبيرة بلغت مداها خلال نهاية العام 2016 م إلى أن هبط إلى 10 دينار للدولار نقداً و 14 دينار للدولار بصك وكان كل ذلك نتيجة طبيعية متوقعة لجملة من السياسات الحكومية والمصرفية الخاطئة والمتهورة .

فالحكومات المتعاقبة منذ 2012 م توسعت و الهدر في الإنفاق العام بشكل كبير وغير مبرر إلى أن فاقمت الدين العام واستنفذت الاحتياطيات المالية أو الأموال المجنبة وأهملت الإيرادات السيادية في الوقت الذي توقف فيه تصدير وإنتاج النفط بشكل شبه كامل خلال الفترة الممتدة من منتصف 2013 م حتى منتصف أواخر العام 2016 م .

والمركزي من جانبه لم يعيد النظر في السعر الرسمي للدولار أمام الدينار أنذاك (2012) الذي كان مثبت عند 1.30 دينار للدولار وذلك عبر تخفيض قيمة الدينار عند 2.5 دينار للدولار وبما يتماشى مع زيادة الإنفاق العام ومع قرار اللجنة الشعبية رقم (27) لسنة 2011 م بشأن مضاعفة مرتبات العاملين بالجهات الممولة من الخزانة العامة ، فسعر الصرف له إرتباط مباشر بمتوسط سقف مرتبات ودخول المواطنين ويؤثر كل منهما في الأخر .

فإرتفاع الإنفاق العام الذي قارب من 60 و 70 مليار دينار خلال العامي 2012 م و 2013 م إلى جانب مضاعفة المرتبات بالتأكيد أدى إلى زيادة الطلب على النقد الأجنبي لكافة الأغراض من سلع وخدمات وسفر ما أدى إلى إرتفاع قيمة المدفوعات الخارجية وتفاقم و تراكم العجز في ميزان المدفوعات وخسارة الإحتياطي الأجنبي إلى قرابة ‎%‎49 من رصيده الذي بلغه في مطلع 2012 م والذي قدر بأكثر من 120 مليار دولار .

هذا إلى جانب تعطل أدوات السياسة النقدية وذلك بعد صدور القانون رغم (1) لسنة 2013 م بشأن منع الفوائد الربوية ودون إقرار نظام بديل له .

وبالتأكيد كل تلك السياسات الخاطئة كانت لها أثار وتداعيات سلبية قاسية على أوضاع المواطنين حيث سأت وتفاقمت معاناتهم جراء ارتفاع الاسعار وشح السيولة وتدهور سعر الدينار والخدمات .

لكن مع إستلام حكومة الوفاق الوطني لمهامها في مارس من العام 2016 م ، وبالتنسيق مع المركزي وبرعاية دولية تم إقرار ما يسمى ببرنامج للاصلاح الإقتصادي Economic Reform Programme في سبتمبر من العام 2018 م وذلك بهدف إزالة التشوهات والإختلالات في الميزانية العامة وميزان المدفوعات وفي الإقتصاد ككل كان من ابرزها تحسين أو دعم قيمة الدينار الليبي.

حيث كان هذا البرنامج جيد من حيث الشكل و يتكون من رزنامة من تدابير عدة أبرزها رفع القيود على إستخدامات النقد الأجنبي عبر فرض رسم أو ضريبة على مبيعاته للأغراض التجارية والشخصية بنسبة ‎%‎183 أي عند سعر 3.90 دينار للدولار وإصلاح فاتورة دعم الوقود وصرف مبلغ 500 دولار لكل مواطن بالسعر الرسمي 1.40 في إطار ما يعرف ( بمخصصات أرباب الأسر ) إلى جانب تحسين ألية جباية الإيرادات من ضرائب وجمارك ورسوم خدمات كما أشترط هذا البرنامج تخصيص عائدات الرسم أو الضريبة على مبيعات النقد الأجنبي في إطفاء أقساط الدين العام المصرفي المتراكم على الحكومة لصالح المركزي وسداد الإلتزامات المالية الأخرى وتمويل البرامج التنموية .

وفي الوقت الذي تفأل فيه الكثيرين وعقدوا أمال كبيرة على نجاح البرنامج وإستعادة الدينار لقوته عند 2.75 إلى 3 دينار للدولار فإذا بتلك الأمال تتبخر وكان الفشل مصيره المحتوم .
فحكومة الوفاق تنصلت من كافة إلتزاماتها المقررة بالبرنامج حيث .

1- فاقمت الإنفاق العام بدلاً من ضبطه وتخفيضه والذي تزايد خلال العام 2019 م وبما نسبته ‎%‎12 عن حجمه في 2018 م .

2- أهملت الإيرادات السيادية التي لم يطراء عليها أي زيادة عن حصيلتها بل إنخفضت حصيلتها بقيمة 289 مليون دينار وتمثل حصيلته ما نسبته ‎‎%‎05 فقط من إجمالي الإنفاق .

3- تزايد الدين العام ولم تقم الحكومة بإطفائه وذلك بعد أن إستخدمت عائدات الرسم أو الضريبة في تمويل العجز في الإنفاق العام .

4- فاتورة الدعم لم يطراء عليها أي إصلاح وبقت على ما هي عليه وأعمال التهريب أستمرت دون أي ردع للمخالفين .

والبندين الذين تم تطبيقهما من البرنامج هما فرض الرسم وجباية عائداته وصرف مخصصات أرباب الأسر على دفعتين بقيمة تقارب من 7.000 مليار دولار .
وليتحول البرنامج بطريقة أو بأخرى إلى أشبه بمخطط لإستنزاف النقد الأجنبي وتصديره مجاناً للخارج .

مع ملاحظة إن الرئاسي خلال أغسطس من العام 2019 م قام بتخفيض نسبة الرسم أو الضريبة على مبيعات النقد الأجنبي إلى ‎%‎163 وبما يعادل 200 درهم ولم يكن ذلك لأعتبارات اقتصادية بل لإعتبارات سياسية .

ولم يكن العام 2020 م بأفضل حال ففضلاً عن إستمرار الحرب توقف إنتاج وتصدير النفط مع مطلع هذا العام ( 2020 ) ليهبط الإنتاج إلى أدنى معدلاته وما زاد الطين بلة وباء كورونا الذي ألقى بضلاله على الاسعار التي هوت إلى ما يقارب من 25 دولار قبل أن تعاود الصعود مجدداً .

ونتيجة لذلك إرتفع العجز في الترتيبات المالية ( الميزانية ) إلى ما يقارب من ‎%‎70 من إجمالي الإنفاق موله المركزي خصماً من عوائد الرسم الضريبة أو الرسم على مبيعات النقد الأجنبي.

وعلى الجانب الأخر سجل ميزان المدفوعات أيضاً عجزاً قدره 8.000 مليار دولار وذلك بعد أن هبطت الإيرادات النفطية إلى ما دون 2.500 مليار دينار أي ما يعادل 2.000 مليار دولار فقط أنذاك .
وبذلك تفشل حكومة الوفاق فشلاً ذريعاً في إستعادة الدينار لقوته ولو جزئياً .

في نهاية العام 2020 م اجرى المركزي تخفيض للسعر الرسمي للدينار عند 4.48 وذلك بهدف تخفيف الضغط على الإحتياطي الاجنبي بسبب الطلب المتنامي على النقد الأجنبي وتوفير مصادر تمويل للحكومة إلى جانب إطفاء الدين العام عبر إعادة تقييم أصوله وفق للسعر الرسمي الجديد وللتخفيف من أزمة السيولة .

وعلى الرغم من إن الفرصة والظروف كانت مواتية أمام حكومة الوحدة الوطنية لإستعادة جزء من فوة الدينار ، فالحرب توقفت والنفط بداء يضخ بشكل إعتبادي و بطاقته المعتادة تقريباً والأسعار أستقرت في المتوسط عند 70 إلى 75 دولار للبرميل في المتوسط والتجميد رفع عن الإيرادات النفطية فور نيلها الثقة بأغلبية الثلثين .

ولكن ومع كل ذلك فشلت هذه الحكومة كسابقتها في إستعادة قوة الدينار ولو جرئياً وذلك بعد أن توسعت في الإنفاق العام بشكل كبير جداً ، حيث تقدمت بمشروع ميزانية تصل قيمته من 94 إلى 111 مليار دينار ليبلغ الإنفاق الفعلي مع نهاية العام ما قرابته 86 مليار دينار كان من الممكن جدا. تخفيضه إلى ما دون 65 مليار دينار و ذلك عبر شطب باب الطوارئ وتقلبيص ما نسبته ‎%‎80 من مخصصات باب التنمية و ‎%‎50 من باب التيسير لكن شيء من ذلك لم يحدث .

وميزان المدفوعات على الجانب الأخر سجل عجز حقيقي تم تغطيته من خلال مبيعات نفطية وأتاوات عن سنوات سابقة .

وليفقدو اليوم المواطنين كل الأمل تقريباً في إستعادة الدينار لقوته وذلك بعد توقف إنتاج وتصدير النفط وتنامي الإنفاق العام وتأكل إحتياطيات النقد الأجنبي .

وفي الختام فالسؤال هو، ما هي الطرق والسبل لإنقاذ الدينار والاقتصاد في ظل أزمة سياسية معقدة تشهدها البلاد هي الأسواء منذ 2014 م وفي ظروف هي الأصعب في تاريخها .