حبارات يكتب: الميزانية المعتمدة في قراءة تحليلية للإيجابيات والسلبيات والتداعيات المحتملة على الاقتصاد

87

كتب: نورالدين حبارات المهتم بشأن الاقتصادي مقالاً

أقر مجلس النواب الإربعاء الماضي مشروع قانون الميزانية العامة المقدم من الحكومة الليبية والذي أجاز بموجبه صرف مبلغ 89.689 مليار دينار تنفق على الأبواب التالية ( المبالغ بالمليار )
1- المرتبات و ما في حكمها. 43.790
2- النفقات التسييرية و التشغيلية 11.049
3- التنمية و إعادة الإعمار . 15.900
4- نفقات الدعم. 18،959
الإجمالي 89.688
على أن تغطى هذه النفقات و بما قيمته 90.786 مليار دينار من الإيرادات النفطية ومبلغ 4.296 مليار دينار من الإيرادات السيادية مع فائض في الميزانية قدره 5.373 مليار دينار .

و من خلال الإطلاع على القانون المذكور والجداول المرفقة به يتضح لنا ما يلي .
1- قدرت الإيرادات النفطية عند حدها الأدنى حيث أخدت في الإعتبار الظروف المعقدة التي تمر بها البلاد بها جراء تأزم وإنسداد المشهد السياسي رغم إن أسواق النفط العالمية تشهد طفرة نفطية .

فقيمة إجمالي الإيرادات النفطية المعتمدة بالميزانية قدرت بقيمة 103.000 مليار دينار أي ما يعادل 23.000 مليار دولار وهذا الرقم لا يختلف كثير عن إيرادات العام الماضي 2021 م ، كما إنه من الممكن جداً تحصيله في حال تدفق النفط حتى ولو ‎بنسبة ‎%‎55 من طاقته الإنتاجية المعتادة المقدرة ب 1.200 مليون برميل بومياً و على سعر 100 دولار في المتوسط وهذا أمر وارد ، فالأسعار منذ نهاية فبراير الماضي أستقرت فوق حاجز 100 دولار ً ومؤخراً عند 120 مليار دولار ويتوقع ألا تهبط عن حاجز 100 مليار دولار مع إستمرار الحرب الروسية على أوكرانيًا المتوقع إطالة أمدها والعقوبات الغربية على روسيا فضلاً عن التعافي التدريجي للاقتصاد الصيني .

والسؤال هو كم قيمة الإيرادات النفطية التي سيخسرها الاقتصاد الليبي في حال تدفق النفط بنصف طاقته الإنتاجية ؟

وكم سيخسر في حال تدفقه بنسبة ‎%‎08 من طاقته فقط كما قال السيد وزير النفط بحكومة الوحدة الوطنية في تصريحات سابقة له ؟

2- القانون راع تخصيص مبلغ 12.000 مليار دينار خصماً من إجمالي الإيرادات النفطية لسد جزء من الدين العام المتراكم في شكل إلتزامات مالية خلفتها الحكومات السابقة والمتعاقبة بالمخالفة للقانون على مدى السنوات الماضية ويتطلب هناء من الحكومة التدقيق في مدى صحة قيمة هذه الإلتزامات قبل الشروع في صرفها و المعاينة الميدانية للمشروعات .

يذكر أن قيمة الإلتزامات المالية التي خلفتها تلك الحكومات تضاهي أو تفوق الدين العام المصرفي الذي يقدر ب 154 مليار دينار و لا يمكن تحديد قيمة هذه الإلتزامات في ظل غياب الحساب الختامي الدولة لأكثر من عشر سنوات .

3- نصت المادة (4) من القانون المذكور على أن تودع في حساب الإحتياطي العام بالعملة الأجنبية لدى المركزي أي زيادة تتحقق في دخل الدولة من إيرادات النفط والغاز التي تتجاوز الإيرادات المعتمدة بالميزانية وذلك عملاً بأحكام القانون رقم 127 لسنة 1971 م بشأن الإحتياطي العام .

وهذا بالتأكيد جيد لكن تحقيقه في ظل توقف إنتاج وتصدير النفط أمر غاية الصعوبة بل من المستحيل .

والسؤال هو كم ستكون قيمة الإيرادات النفطية التي ستزيد عن القيمة المعتمدة والتي يتوجب إيداعها في حساب الإحتياطي في حال تدفق إنتاج وتصدير النفط بطاقته المعتادة ؟

4- بلغت قيمة المرتبات قرابة 44.000 مليار دينار وبزيادة قدرها 10.000 مليار دينار عن قيمتها في 2021 م ويعزو ذلك إلى تضمين جدول المرتبات الموحد الذي يتوقع إقراره قريباً .

5- بلغت القيمة المعتمدة لباب الدعم 18.950 مليار دينار أي بإنخفاض قدرة 2.000 مليار دينار تقريباً عن قيمته الفعلية في 2021 م وقد شمل باب الدعم ولأول مرة قيمة المعاشات الأساسية المقدرة ب 1.750 مليار دينار علاوةً على إستحدات بنود لدعم الأمن الغدائي بقيمة 1.000 مليار دينار وبند للتغذية المدرسية بقيمة 200 مليون دينار وبند لدعم الإعلاف وهذا بالتأكيد جيد في ظل الاإرتفاع الملحوظ في أسعار الغداء والتراجع الكبير في الإنتاج الزراعي المحلي وعدم حصول معظم المواطنين وطلبة المدارس على إحتياجاتهم الكافية من الأمن الغدائي.

كما تقلصت فاتورة دعم الوقود إلى 7.000 مليار دينار أي ما يعادل 1.485 مليار دولار ، إلى جانب تخصيص مبلغ 2.500 مليار دينار لدعم الأدوية .

والسؤال هو كيف يمكن ضمان إيصال قيمة الدعم لمستحقيه؟
وهذا ما يجب على الحكومة أن تعمل على تحقيقه ؟ فالفساد غالباً ما يعتري هذه النوع من الإنفاق .

6- بلغت القيمة المعتمدة للنفقات التسيرية والتشغيلية 11.094 مليار دينار ونرى من ضرورة الضبط والترشيد في هذه النفقات سيما التسييرية فهذه النفقات غالباً ما يلتهمها الفساد والهدر وأغلبها لا علاقة مباشرة لها بالمواطنين .

7- بلغت القيمة المعتمدة لباب التنمية وإعادة الإعمار ما قيمته 15.900 مليار دينار .
وفي رائي الموضوع يتطلب إعادة النظر في هذه القيمة ، فالتنمية وإعادة الأعمار تتطلب أمن وإستقرار عام في كافة ربوع البلاد وهذا ما يجب على الحكومة العمل على تحقيقه كما إنها تحتاج إلى متسع من الوقت وإلى قدرات وكفاءة في مجالات التنفيذ والإشراف والمراقبة للمشاريع ودراسات فنية مستفيضة تأخد في الإعتبار إحتياجات المدن والمناطق وفق سلم أولوياتها و غياب ذلك حتماً يعرضها للهدر والفساد وسوء الإدارة ، على أن تلتزم الحكومة أيضاً بمعايير الإفصاح والشفافية وذلك فيما يتعلق بنشر تفاصيل تسييل وتوزيع مخصصات التنمية وإعادة الأعمار عبر صفحاتها الرسمية بحيث يعرف المواطنين ما إذا كان هناك فعلاً تهميش متعمد من قبل الحكومات أو إن المشكل بسبب فساد عمداء ومسؤولي بلدياتهم وأقاليمهم .

وفي الختام بالتأكيد ستكون هناك تداعيات سلبية للميزانية على الإقتصاد تتمثل في إرتفاع أكثر لمعدات التضخم وزيادة الضغوط على الإحتياطي الأجنبي و الدينار والسيولة خاصةً في ظل توقف إنتاج وتصدير النفط شريان الإقتصاد الوحيد .

لكن ومع كل ذلك بإمكان تفادي ذلك أو التخفيف وبشكل كبير من حدة تلك التداعيات وذلك في حال ما تم إستئناف تدفق إنتاج وتصدير النفط والذي من شأنه أن يعزز الإحتياطيات والفوائض في الميزانية وميزان المدفوعات .

كما بإمكان الحكومة ضبط الإنفاق ، فالإنفاق بالنسبة لها جوازي وليس إجباري وصحيح لا يمكن لها تجاوز سقف الإنفاق المحدد بقانون الميزانية لكن بإمكانها تقليصه متى أرتأت ذلك ورأت إن الضرورة والمصلحة العامة للبلاد وأوضاعها المالية تستوجب ذلك عملاً بأحكام المادة (12) من قانون النظام المالي الدولة .