“درباش” يكتب مقال بعنوان “الدعم”

111

كتب الأستاذ في جامعة السربون بفرنسا المبروك درباش مقالاً

كثيرٌ هو اللغط وكثيرة هي النظريات، والأكثر منها هي الكتابات والجزم في آرائها الاقتصادية حول مسألة الدعم من حيث رفعه أو حتى ‘تدرجيحه’، أو إسقاطه، أو عزله.

ورغم أن الأساس العلمي للنظريات الاقتصادية هو كونها إجتهاد معرفي وفق مجموع المعلومات المتوفرة، فإن غُّيبت هذه الأخيرة، غابت الصلاحية المعرفية لذاك الاجتهاد أو غيره عموماً، دعو عنا كل ذلك ولنلبِث في ‘خرافة’ الدعم قليلا، فلقد أُوجد هذا في العهد السابق، وهذا يجعله عرضة لقانون العزل السياسي المتأصل بنيانه في ‘لقاقة’ العهد السابق.

فالدعم زلم و بالتالي يجب التعامل معه على هذا الأساس ومحاربته تبقى وفق هذهِ التفاكير، المهيئة وفق مقولة عليُّ في الفقر.

إلا أن مفكري ومنظري رفع أو إسقاط الدعم يتجاهلون الدعم الذي تخصصهُ الدولة لباقي قطاعاتها ويركزون فقط على جزء ضئيل وهو دعم المحروقات، ذاك الدعم الذي لا يظهر سوءتهم.

فالدعم هو أن تقدم الدولة معونة إضافية للقيمة السوقية لقطاع أو سلعة ما؛ قيمة إضافية وفق السعر العالمي للقطاع أو السلعة أو الخدمة، في محاولة لإِتراف مواطنيها وتمييزهم عن مستهلكي نفس السلعة في جغرافية أخرى هذا هو الدعم ومن هذا تخلقُ هذه المعادلة الاجتماعية سوقًا آخر لتسويق وتهريب هذه السلعة، أو المنتوج، أو الخدمة، ليُجنى الفارق الربحي في السوق العالمي؛ أي خارج جغرافيا الدعم.

الذي لم يخبرونكم عنه منظري ‘فزورة’ الدعم، أن الدعم في الدولة يتجاوز المحروقات، ويطال كثير من القطاعات أو أجهزة الدولة فقطاع ما يسمى بالثقافة مدعوم من قبل الدولة، وقطاع الدبلوماسية مدعوم هو الآخر من قبل الدولة، والتعليم الداخلي والخارجي والعلاج بالخارج أيضاً مدعومان من قبل الدولة الداعمة.

الدولة تدعم جل القطاعات العامة إذاً القصة ليست في رفع الدعم أو عزله ماليًا، بل أن القصة تدور حول الدعم الذي يمكن الاستغناء عنه أو بالأحرى الذي أضراره أمست تفوق منافعه.

إذا، هناك دعم وهناك دعم وإذا، يجب أن نفكر في رفع الدعم عن كل تلك الأشياء التي لا تُغني بل تفقر، ولا تُسمن بل تُضمُر، كهيئة تشجيع الصحافة في دولة لا صحافة فيها، أو هيئة خيالة في دولة لا خيالة فيها، أو هيئة إعلام أو ثقافة في دولة لا هذا ولا ذاك فيها.

فكل هذه القطاعات تُدير أشياء مفقودة في البلد، فلماذا ندعم إدارة بدون قطاع تديره؟ أيضاً، كل هذه الإدارات تتوفر فيها نفس المُلابسات المتعلقة بدعم المحروقات، فالمثقف المحلي، الذي يُهيئ داخل البلد، ويُلقن كيف يضع ‘برطيلة’ لينين على رأسه، وكتابا لم يقرأه تحت ‘باطه’ ومن ثم يتم تهريبه للخارج ليخضع لسعر سوق الثقافة العالمي، تمامًا كالمحروقات.

والطالب الذي يدرس على حساب الدولة أو المجتمع، في بريطانيا، يبقى هناك أو يُهرب لسوق العمل الإنجليزي، دون أن تدفع دولة المملكة درهما واحداً في تهيئه.

كذلك الصحفي، أو المذيع، أو الفني الذي تدربه الدولة على حسابها ويُهرب لإحدى قنوات التنظير في مسألة الدعم عن المحروقات أو قنوات مدن الدستور المنتصرة، أو من هو الطرابلسي أو البرقاوي.

كذلك السائق في المراسم الذي يغير من نوع وظيفته في الخارجية ليجد نفسه بعد عامين دبلوماسيًا في أوروبا، يقفل باب سفارته في باب مواطني الدولة التي تدعم مرتبه، والذي يفوق متوسط الدخل هناك بأربع أضعاف كل هذا في إطار دعم القطاع الدبلوماسي.

كل هذا دعم وكل هذا يحتاج إلى إعادة تناول ولربما عزل دعمي، بما إن العزل هو أساس كل تفكيرنا نحن مجتمع يعيش على تهريب الدعم المُعطى لنا من قبل الدولة التي لا نعرف لها شكل أو رائحة كل هذا، ورغم أهمية ما ذكرت هنا، سيبقى صراخ الدعم ورفعه عن المحروقات فقط أساس هذا الإشكال.

فدعونا ننتهي بما قلت سالفاً: رفع الدعم يجب أن يحدث ، فدعم المحروقات وجد لأجل أسباب لم تعد مهمة اليوم، ولكن بدائلها صارت أكثر أهمية، أي النقل العام وإبقاء سعره منخفض بالقدر الذي يتلائم ومعدل المرتبات في ليبيا.

أي أن رفع الدعم سيرفع من سعر العديد من الأشياء مما سيجعل البديل النقدي مثارًا للسخرية، وسترفع الأسعار على قطاع الصناعة المتآكل أصلا، والتجارة وتجارة الدولة، ناهيك من ما سيحصل في الجنوب المرفوع عنه الدعم بشكل كلي، وعلى جميع الاصعدة، أي أن رفع الدعم ليس أُحادي المجال بل أكثر من ثنائي، ومتوغل في كل مصروفاتنا اليومية التي ستلحظ أرتفاعا حادا في نفس الوقت، وكما قلت سابقا، قبل أن يصل البديل الزهيد إلى جيب المواطن أو حسابه في مصرفه المقفل.

الحل، ومرة أخرى، هو أن تستعير الدولة المبلغ الذي ستعطيه نقدا للمستهلك، من المواطن، وتستثمره في مواصلات عامة، هذه المواصلات العامة سوف توجب رفع الدعم لأنه يصبح آنذاك إجراء منطقيا، هذا بالنسبة لدعم المحروقات، أما الدعم العام، للغباء العام، فمن السهل إلغائه، أو هكذا شُبه لي.

أنا مع رفع الدعم عن المحروقات، وعن كل الاشياء الأخرى التي ذكرتها سالفا؛ رفع الدعم المرفوع أصلاً عن عدد كبير من الليبيين، منذ سنوات، ليس ذلك فحسب، بل إن عددا كبيرا منهم يدفعون ضريبة السوق السوداء المضافة. أنا مع رفع الدعم، وفقط.

أعني إنني لست مع استبداله بقيمة نقدية، بل بقيمة خدمية، فلا يجب أن نستبدل باطلا بباطل فقرار دعم المحروقات وُجِدَ وفق أسس اقتصادية مؤقتة، أهمها تعديل أو التأثير المباشر على مؤشر القوة الشرائية لدى المواطن الليبي خلال فترة مشاريع التنمية، لكي يواكبها ، وهذه ضرورة كانت قد ولت وولى زمنها، وهكذا فهي منعدمة الصلاحية الآن، وبالتالي انتهى مفعولها، أو بالأحرى أمست سُماً وصار تناولها مضر بالصحة.

يجب، وهنا بيت القصيد، أن لا نسُخ الحق في الباطل، أن نمزج الملح بالشاي، فقط لتشابه شكله بالسكر، فالشكل ليس كالمذاق، إلا إذا كنا قد فقدنا هذه الحاسة، وآنذاك فما ضرورة شرب الشاي أصلاً.

يجب أن لانفعل ذلك في تفاصيل هكذا قرار؛ أي إلغاء الدعم. فلا يجب إلغاء الدعم بدون خلق بديل حقيقي، فغير ذلك يعبر عن فقدان الرؤية الاستراتيجية للمجتمع، و هو فعلا خلط للشاي بالملح.

أي أنه من الخطأ أن تُصرف قيمة الدعم في شكل علاوات نقدية، أو قيمة مالية تُعطى مباشرة، فهذا يؤكد ثقافة الاستهلاك المستفحلة بشراسة إنها تصبح آنذاك قيمة نقدية مُهداة للتجار اللذين، وبطبيعة وديناميكية السوق، سوف يرفعون الأسعار، قبل أن تصل هذه العلاوة الى البيوت، والتي ستكون مرفقة بالمعاشات المعتادة على الوصول متأخرة، وبالتالي تسقط فعالية هذه القيمة.

ليس ذلك فقط، بل أنها ستساهم في إخلال مؤسسي في تفاعل وقوانين السوق الطبيعية أيضا، وبطبيعة المنطق الاقتصادي، سيساهم هذا في حدة تضخم النقد المحلي، أي الدينار.

إنه الأجدر بالحكومة أن توظف هذا الفائض في بديله الطبيعي، فدعم المحروقات وجد لتسهيل عملية المواصلات الخاصة في زمن ما، لكي تعوض حاجة الدولة ومواطنيها الى مواصلات عامة.

الآن، على هذا البديل، أي الدعم، أن يُستخدم لدعم المواصلات العامة فهذه هي قيمة الدعم الحقيقية والمشروعة وعلى الحكومة أن تبتعد عن اتخاد قرارات ارتجالية، فالأسعار لاتنخفض بعد أن ترتفع، وقيمة الدعم، في أدنى تفاعلها، ستذوب ويذهب ريحها دون إضافة قيمية لمستوى عيش المواطن.

إن قيمة الدعم على المحروقات، التي لم تتجاوز 400 مليون في 2005، تتراوح الآن بين 4 الى 5 مليارات دولار سنويا، أي حوالي 40 دينار شهريا لكل فرد، حسب السعر الرسمي للدينار، إذ أردنا أن نقسمها على جيب كل مواطن ليبي، أي ما يكفي لشراء 1‪.‬4 كيلو ثوم شهريا، حسب أسعار السوق اليوم.

أيضاً، هل هناك عاقل في ليبيا يثق بأن هذه الحكومات المُتوارِثة على ليبيا، قادرة على الإيفاء بوعودها وصرف 2 كيلو ثوم شهريا،؟وإلى متى؟ ونحن من حرب الى أخرى ومن عربيد الى آخر ومن مبعوثة الى أخرى؟ وماذا ستعني هذه القيمة بعد عدة أشهر من اِستطْراد الأسعار؟.

لكن، إذا أُخذت هذه القيمة وصُرفت خصيصا في محلها الذي أُُسست لأجله، وهو تسهيل المواصلات، فإن مفعولها سيكون إيجابيا، ليس فقط في إضافة خدمة نحتاجها، بل أيضا في خلق فرص عمل لعديد من أفراد المجتمع؛ الذين يتراشقون في الجبهات اليوم، ويقلل من تكاليف النقل، وبالتالي تكاليف الإنتاج، وبالتالي يخفض الأسعار، ويقلل من استيراد خردة أوروبا، ويساهم في الحفاظ على البيئة ناهيك عن حالة الازدحام وكل الكوارث الاخرى من جراء تضاخم الاستعمال المخيف للمركبات الخاصة.

الجدير بالذكر هنا، إن خسائر ليبيا من تهريب المحروقات لا تتجاوز المليار دولار سنوياً، أي لاتتجاوز هبة زيدان لمليشيات بنغازي، ولايمكن أن تتجاوز ما يصرف اليوم على المرتزقة المحليين، ومصاريف حراسة المفتيين عن بعد في إسطنبول أو المحافظ المالية في عمان ولندن ودبي، أو الدعم الذي لم يصدر قرار برفعه على سفارات الحكومات، المنهمكة بشرب الشاي بالسكر أو سرقة “المعيز” التي قد تضاف الآن إلى مهارات وأناقة الخارجية .

لكي لا أبتعد عن صلب الموضوع، إن قيمة الدعم تكفي لتغطية تكاليف ‘قطارات مدن’، أي قطارات بين أحياء طرابلس، أو بين حي المهدية والمنشية بسبها أو من الحدائق إلى الوحيشي أو من رقم 2 إلى جهنم أو من براك إلى المحروقة، على سبيل الذكر.