حبارات يكتب: كيف يؤثر رفع أو إستبدال دعم الوقود سلباً على الاقتصاد ويفاقم من معاناة الموطنين

50

كتب: نورالدين حبارات المهتم بشأن الاقتصادي مقالاً

كما هو معروف تبرر حكومة الوحدة ومؤيدي رفع الدعم عن الوقود أو إستبداله بإنه الوسيلة الوحيدة لمحاربة الفساد جراء ظاهرة تهريب الوقود ، ويروا إن المقابل النقدي المقدر ب 75 دينار شهري أو ما يقارب من 888 دينار سنوي وفق لأحد مقترحاتها ( مرفق صورة ) سيكون بديل جيد ويكفل إستفادة المواطنين بشكل عادل ويضع حد للفساد الناتج عن تهريب الوقود كما إنهم لا يروا أو يقللوا من أي تداعيات سلبية على الاقتصاد .

لكن اقتصادياً وفي ظل الظروف الراهنة فإن هذه الفرضية غير صحيحة بالمرة كما سنرى وذلك لأسباب عدة أبرزها.
1- إنخفاض سعر الدينار أمام الدولار مقارنة بالدينار التونسي
فاادولار الأمريكي يعادل 5.000 دينار ليبي تقريباً ، ويعادل 3.000 دينار تونسي .

واذا أفترضنا إن سعر لتر البنزين يقدر ب 2 دينار وفق المقترح المذكور فإن سعره يقدر ب 400 سنت وفق لسعر الصرف السائد .

في حين سعر لتر البنزين في تونس يقدر ب 780 سنت وذلك بعد الزيادة الأخيرة التي أقرتها الحكومة التونسية مع إرتفاع أسعار النفط في أسواق العالمية .

وهذا يعني إن إستبدال الدعم بمقابل نقدي عند 2.000 دينار لن يثني المهربين عن إيقاف أعمال التهريب طالما مازالت هناك مكاسب وفروقات في السعر تصل قرابة ‎%‎50 فكل مليون لتر تحقق هامش ربح يحسب كالاتي .

1000000 لتر * 380 سنت = 380.000 ألف دولار أي ما يعادل 1.140000 دينار تونسي، وحيث إن سعر لتر البنزين الرسمي في تونس، كما أسلفنا عند 780 سنت فإن بيعه من قبل المهربين عند سعر 550 سنت كافي بالنسبة لهم .

والسؤال هو كم ستكون مكاسب المهربين في حال تعرض الدينار الليبي لمزيد من الإنخفاض و هذا أمر متوقع في ظل حالة الإنسداد السياسي وتزايد الإنفاق العام والتوقف المتكرر لإنتاج وتصدير النفط وتأكل الإحتياطي الأجنبي ؟
فهل سيتم حينها رفع سعر اللتر إلى 4 دينار بدعوى مكافحة التهريب ؟

يشار إلى إنه إنخفاض العملة المحلية لبلد ما عادةً ما يشجع ويحفز على التصدير، حيث يؤدي ذلك إلى زيادة القدرة التنافسية لمنتجاتها المحلية في الاسواق الخارجية ما يعزز صادراتها ويرفع قيمة الفائض في ميزان مدفوعاتها .

أما في ليبيا فهي دائماً إستثناء فإن إنخفاض أو تخفيض عملتها يشجع على التهريب فقط لإن ليس لديها سلع أصلاً لتصدرها.
2- الوقود سلعة وسيطة أساسية لا غنى عنها تدخل في تكلفة البضاعة المباعة Cost of goods sold من خلال إرتفاع تكاليف النقل والشحن والتسويق .

كما تدخل في تكلفة البضاعة المنتجة أو المصنعة Cost of goods prduced من خلال تكلفة التشغيل والتصنيع كما تدخل في تكلفة العديد من الخدمات وهذا بالطبع يعني لنا مزيد من الاإرتفاع في أسعار تلك السلع والخدمات سيما الاساسية ومزيد من الإرتفاع في معدلات التضخم ، ولقد رأينا أثر إرتفاع أسعار الوقود في الولايات المتحدة وبريطانيا ودول عدة حيث كان لهذا الإرتفاع دور رئيس في إرتفاع معدلات التضخم وهي الأعلى منذ عقود .

3- الوقود سلعة إستراتيجية أساسية عديمة المرونة nflexible أي إرتفاع أسعارها إلى حدود معينة لا يقلل من إستهلاكها والمقابل النقدي الشهري المقترح والمقدر ب 75 دينار ضئيل جداً لا يكفي لسد الحد الأدنى من إحتياجات المواطنين فهو يكفي لتعبئة مرة واحدة فقط لخزان سعة 40 لتر ومن ثمة سيضطرون إلى توجيه جزء أكبر من دخولهم و مدخراتهم إلى سد إحتياجاتهم من الوقود خاصةً لأغراض النقل والكهرباء والتشغيل وذلك على حساب إحتياجات أخرى .

4- القيمة الإجمالية السنوية للمقابل النقدي وفق المقترح تقارب من 7.000 مليار دينار و هذا رقم ليس بالهين وذلك إذا ما اضفنا إلية فاتورة المرتبات التي تقدر ب 44.000 مليار دينار وقيمة علاوة الإبناء المقدرة ب 4.500 مليار دينار أي إننا أمام دخول مباشرة للمواطنين تصل إلى ما يقارب من 55.000 مليار دينار موجهة للإستهلاك ناهيك عن حجم الإنفاق في باقي أبواب الميزانية الذي لا يقل كثيراً من هذا الرقم .

وهذا بالتأكيد سيؤدي إلى تزايد المعروض النقدي الذي سيفوق طاقة السوق ولا يمكن للإقتصاد إستيعابه ما سيزيد معه الطلب أكثر على السلع والخدمات والضغوطات على السيولة ومن ثمة مزيداً من الإرتفاع لمعدلات التضخم المرتفعة أصلاً.

وفي الختام لا يجب إن نغفل حالة الإنسداد والتشظي في المشهد السياسي في ظل تعثر الوصول إلى حل سياسي شامل ودائم والذي يعتبر أساس وركيزة لإقرار أي سياسة أو إصلاح إقتصادي وضمان لنجاحه وغيابه يعني فشل حثمي له.