حقيقة صراع النفط .. أزمة مناصب وشرعية أم تحقيق لمصالح أطراف سياسية

154

استمر إغلاق الحقول والموانئ النفطية من قبل أهالي وأعيان المناطق الكائنين بالمناطق الموجودة بها خلال الأشهر الماضية بمطالب تختلف من تقسيم عادلٍ لإيرادات النفط وتوفير تنمية مستدامة إلى توفير فرص عمل لشباب المناطق النفطية وإقالة مجلس إدارة المؤسسة الوطنية للنفط.

وقالت آراءٌ اقتصادية عدّة بأنّ هذه الإغلاقات قد تسببت في خسائر بالمليارات وساهمت إلى حدٍ كبير في ازدياد ساعات انقطاع الكهرباء بسبب غياب إمدادات الغاز عن محطات التوليد.

من جهةٍ أُخرى عانى قطاع النفط كثيراً بالتجاذبات لفرض النفوذ على قطاع النفط الليبي بين وزير النفط والغاز “محمد عون” ورئيس مجلس إدارة المؤسسة الوطنية للنفط “مصطفى صنع الله” كما جاء في التقرير النهائي لخبراء مجلس الأمن المعني بليبيا؛ حتى وصلت إلى فصولها الأخيرة حسن ناقش مجلس الوزراء بحكومة الوحدة الوطنية يوم الخميس الموافق 23 يونيو كتابة وزير النفط والغاز “محمد عون” المؤرخ بتاريخ 8 فبراير 2022، بشأن طلب تغير مجلس إدارة المؤسسة الوطنية للنفط؛ وأوضح “عون” أنه قدم إلى رئاسة الوزراء أسماء المقترحين لشغر هذا المنصب.

ليعود ملف النفط مرةً أخرى لتصدر المشهد بعدما أكّد مصدرٌ من حكومة الوحدة الوطنية مؤخراً لصحيفة صدى الاقتصادية أن قرار تغيير رئيس مجلس إدارة المؤسسة الوطنية للنفط مصطفى صنع الله قد صدر وتم تكليف فرحات بن قدارة خلفاً له، وكانت مصادر مقربة لوزير النفط “محمد عون” قد أعلنت حصرياً لصحيفة صدى الاقتصادية تكليف “فرحات بن قدارة” رئيساً لمجلس إدارة المؤسسة الوطنية للنفط.

وبعد تداول العديد من الأخبار عن قرب استلام “بن قدارة” لمنصبه الجديد، خرج “مصطفى صنع الله” في خطابٍ شديد اللهجة اتهم فيه أطرافاً من حكومة الوحدة الوحدة الوطنية ورئيسها ورئيس المؤسسة الوطنية للنفط المُكلّف حديثاً فرحات بن قدارة “بالتواطؤ” مع دولة الإمارات العربية المتحدة لتمرير صفقات لشركات نفطية وتحقيق مكاسب سياسية.

ليتطّور الأمر إلى شكوى يقدّمها صنع الله إلى النائب العام بشأن قرار إقالته تواجهها شكوى أخرى قام بها “الدبيبة” واصفاً ماقام به صنع الله “بالأفعال المجرمة”؛ وكانت صدى الاقتصادية قد تحصلّت حصرياً على فحوى الشكاوى من الطرفين.

وخرج بعدها رئيس مجلس الإدارة الجديد للمؤسسة الوطنية للنفط “فرحات بن قدارة” في مؤتمره الصحفي الأول من أمام مقر المؤسسة الوطنية للنفط؛ بعد توقيع استلامه لمنصبه مع رئيس لجنة التسليم والاستلام “مصطفى السمو” الذي أكدّ لِصدى الاقتصادية إتمام إجراءات التسليم بالكامل لبن قدارة.

من جانبه صرّح مصدرٌ مسؤول بالإدارة القانونية بالمؤسسة الوطنية لنفط حصرياً لصحيفة صدى الاقتصادية أن استلام وتسليم المؤسسة الوطنية للنفط يجب أن يتم بحضور “مصطفى صنع الله” و “فرحات بن قدارة” بحضور لجنة مشكلة للاستلام والتسليم من المؤسسة الوطنية لنفط بمحضر اجتماع لمناقشة العهد المالية والمواضيع المتوقفة والعالقة بالمؤسسة، وبأن عملية التسليم والاستلام جاءت بشكل غير قانوني وبالقوة؛ كما أكد المصدر غياب “صنع الله” عن التسليم مما يشكل ثغرة قانونية في عملية التسليم التي تمت؛ كما أوضح المصدر أن ماتم هو عملية استلام فقط بعد ماحدث من فوضى داخل مبنى المؤسسة الوطنية للنفط.

وبعد استلامه لمهامه مباشرةً أعلن رئيس مؤسسة النفط الجديد “فرحات بن قدارة” من بنغازي رفع حالة القوة القاهرة على الحقول والموانئ النفطية؛ وتعهده بن قدارة بتنفيذ قرار مجلس الوزراء لزيادة العاملين، يأتي ذلك في اجتماعه مع أعيان ومشايخ مناطق الهلال النفطي لإعادة فتح الحقول والموانئ النفطية وتصدير النفط، وذلك بعد أن تحصّلوا على ضمانات بتحقيق كافة المطالب ومن أهمها عدالة توزيع الإيرادات النفط، ودر جميع المظالم للجنة المسؤولة على الإقفال؛ وقالت وكالة رويترز البريطانية للأنباء الجمعة الماضية نقلاً عن أحد قادة الجماعات المسلحة المتورطة في حصار المنشآت نفطية حيث قال: اتفقت مع رئيس إدارة المؤسسة الوطنية النفط الجديد فرحات بن قدارة على السماح باستئناف الإنتاج والصادرات النفطية.

وحول الأسباب المتوقعة وراء هذا التغيير “الدراماتيكي” في المشهد الليبي صرح المحلل الإيطالي والمستشار الإستراتيجي دانييل روفينيتي لصحيفة صدى الاقتصادية اليوم الخميس حيث قال أنّ قرار تعيين “فرحات عمر بن قدارة” رئيسًا للمؤسسة الوطنية للنفط هو اتفاق بين الدبيبة وحفتر؛ أولاً لفتح إنتاج النفط ومن ثم أيضًا أن يحصل حفتر على بعض الإيرادات النفطية حيث أنّ هذا القرار وضع باشاغا والأغلبية في موقف صعب وخلق استياءاً من الأمريكيين الذين يدافعون عن صنع الله.

كما ذكرت صحيفة فايننشال تايمز البريطانية يوم الخميس الماضي نقلاً عن بيتر ميليت رئيس مجلس الأعمال البريطاني الليبي والسفير البريطاني السابق في طرابلس قولهُ إنّ تعيين بن قدارة سيُسيّس قطاع النفط وهو أمر تجنب صنع الله القيام به؛ وقالت الصحيفة أنّ المحلل في الشؤون الدولية “كلوديا غازيني” يرى بإنّ التغيير في المؤسسة الوطنية للنفط قد يكون جزءًا من صفقة أوسع تهدف إلى إقناع حفتر بتحويل الدعم إلى الدبيبة والابتعاد عن فتحي باشاغا.

وفي متابعةٍ لردود الفعل الدولية حول الأحداث المتسارعة قال السفير الأمريكي لدى ليبيا “ريتشارد نورلاند”: نتابع بقلق بالغ التطورات المحيطة بالمؤسسة الوطنية للنفط والتي تعتبر حيوية لاستقرار ليبيا وازدهارها، وظلت مستقلة سياسياً وكفوءة تقنياً تحت قيادة “مصطفى صنع الله”؛ فيما أعلنت سفارة المملكة المتحدة عن مشاركتها قلق زملائها بالسفارة الأمريكية بما يحدث بالمؤسسة الوطنية للنفط؛ من جانبه قال نائب المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة “فرحان حق”:”يجب أن نضع في حسباننا أن الأمم المتحدة تدعم وحدة واستقلالية المؤسسة الوطنية للنفط ونريد من جميع الأطراف الإحجام عن تسييسها وكذلك الإحجام عن أي خطوات أحادية الجانب”.

وهنا قد بدأت المخاوف جلّيةً لدى بعض الأطراف من تحوّلات في بعض الموازين الاقتصادية عبر إمكانية قيام “بن قدارة” -باعتبارهِ قد تم تنصيبه بعد ضغوطات من المنطقة الشرقية- بتحويل جزء أو حتّى كامل إيرادات المؤسسة الوطنية للنفط إلى المصرف المركزي بنغازي الذي يرأسه “الحبري” المقرّب من القيادة العامة هناك بدلاً عن المصرف المركزي طرابلس المعترف به دولياً ومحافظهِ “الصديق الكبير”.

وقد صرّح رئيس مجلس إدارة المؤسسة الوطنية للنفط المكلّف من قبل حكومة الدبيبة “بن قدارة”في مقابلة مع قناة العربية الحدث مساء السبت بالقول: “نحب أن نطمئن الجميع بأن المؤسسة ستكون شفافة جدًا، فالإيرادات التي ستحصلها المؤسسة سيتم إعلانها، كم بعنا وصدرنا”.

وشدّد على أن المؤسسة “لن تكون واقفة إلى جانب أي طرف في الصراع السياسي، بل أداة في تحسين وتطوير قطاع النفط بما يخدم الليبيينكما قال “بن قدارة” أنّه “متفائل” وأضاف:”هذا التفاؤل نابع من واقع وليس محض خيال، وذلك بسبب الإمكانات الضخمة في مجال النفط والغاز التي تحتاج فقط إلى حسن الإدارة، وفي هذه الحالة ستعود الفائدة على الليبيين”.

هذا وأدرجت صفحة المؤسسة الوطنية للنفط على فيس بوك والتي يديرها مجلس إدارة “صنع الله” اليوم الأحد بياناً بأنّ المجلس لم ولن يخضع لإجراءات إقالة “غير قانونية” من حكومة منتهية الولاية -على حدّ وصفه-؛ قائلةً بأنّ ما ادعت الحكومة أنّها إجراءات استلام وتسليم هي عبارة عن اقتحام غير قانوني لمقار مؤسسة اقتصادية من مسلحين.

بالمقابل عقد مجلس إدارة المؤسسة الوطنية للنفط الجديد برئاسة فرحات بن قدارة أولى اجتماعاته بإشراف رئيس حكومة الوحدة الوطنية “عبد الحميد الدبيبة” ووزير النفط والغاز المُكلّف “محمد الحويج” بمقر المؤسسة الوطنية للنفط في العاصمة طرابلس

وقال رئيس حكومة الوحدة الوطنية “عبد الحميد الدبيبة”: قرار تغيير مجلس إدارة مؤسسة النفط لم يكن صفقة سياسية ولن يكون، حيث جاء بين توافق بين الأطراف في جميع أنحاء ليبيا.

وأضاف بالقول: تشاورنا مع الجميع لتغيير مجلس الإدارة وتم الإتفاق على هذا المجلس بشكل توافقي كامل ولم يتدخل فيه دول أو إجراءات أو غصب وهذا كذب وافتراء على المجلس والسيد رئيس المجلس أعرفه واثق في واطنيته ولا يمكن اتهام المجلس بأن تكليفهم تم عن طريق دول أو أطراف خارجية وما ضيع الوطن هذا الكذب والافتراء.

كما كتب المحلل والمهتم بالشأن الاقتصادي “محسن الدريجة” تدوينةً قال فيها:”من الجدير بالملاحظة أنّ 36 ساعة مرت على إعلان رفع القوة القاهرة عن الموانئ النفطية ولم تتجه أي سفن لنقل النفط من مينائي السدرة وراس لانوف؛ وتتجه حالياً السفينة “ابليا” من الخمس إلى البريقة لشحن المكثفات كما سبق وأعلنت المؤسسة الوطنية منذ أربعة أيام”.

وأضاف: “لم تتضح أسباب التأخير بعد، فربما الادارة الجديدة تحتاج بعض الوقت لترتيب عملها وهذا أمر طبيعي؛ وجود الموانئ النفطية بالقرب من خط المتوسط الملاحي يعني أنّه في العادة عند إعلان رفع القوة القاهرة تكون السفن في انتظار الدخول للميناء أو على مسافة ساعات قليلة من الميناء”.

مردفاً بقوله: “يستمر شحن النفط كما هو عليه من موانئ الحريقة الذي تغذّيه مجموعة الحقول المربوطة بخط السرير الحريقة، الزاوية المربوط بحقل الشرارة وحقول الحمادة، ومليتة المربوط بحقل الوفاء”.

فما حقيقة مايجري وما وراءه ولمصلحة من يسري قرار التغيير وكيف جرت الموافقة على فتح حقول النفط المُغلقة منذ مدة بهذه السرعة ولِماذا لم يتم استقبال أي ناقلات نفط حتى اللحظة؟ وهل سيظل العصب الوحيد للدولة الليبية ومصدر الدخل الرئيس ميداناً لتصفية الحسابات وخوض الصراعات؟