Skip to main content
أبوسنينة: اقتصاديات دعم الوقود وآليات إصلاحه
|

أبوسنينة: اقتصاديات دعم الوقود وآليات إصلاحه

كتب الخبير الاقتصادي محمد أبوسنينة: يشغل رفع الدعم عن الوقود اهتمام طيف واسع من المحللين والخبراء والمختصين والسياسيين ورغم أن الموضوع ليس بجديد، وأن ما يطرح بشأنه من سياسات اليوم كان محل اهتمام وتفكير العديد من الحكومات، غير أنه لم يجرئ أحد في السابق على اتخاذ أي إجراءات حقيقية حياله، لمختلف الأسباب.

ومن الناحية الاقتصادية، تقع معالجة دعم المحروقات في صلب الإصلاح الاقتصادي المنشود، لما يتضمنه الدعم بالطريقة المتبعة اليوم من هدر في الأموال العامة وفساد مالي إداري، لا سيما وان سعر المحروقات في ليبيا يعتبر الأقل على مستوى كل دول العالم، وأن سعر لتر البنزين يعتبر أرخص من سعر لتر الماء، فضلًا عن ما تشكله فاتورة الدعم ضمن فاتورة الانفاق العام ويمكن تلخيص موقفنا من معالجة أو إصلاح دعم المحروقات في الآتي؛

أولاً: الإصلاح الاقتصادي (إصلاح سعر الصرف، وإصلاح الدعم، وإصلاح المالية العامة) الذي تسعى إليه الكثير من الدول، للتخلص من التشوهات التي تعاني منها اقتصاداتها، من خلال تطبيق جملة من السياسات الاقتصادية المتكاملة والمصاحبة، يتم في العادة، ضمن رؤية واضحة ومحددة لإدارة الاقتصاد الوطني ومستهدفاته وآفاق تنميته، وسياسات الدخل المعتمدة، وسياسات إعادة توزيع الدخل، وقدرات مؤسسات الدولة وما تتمتع به من مرونة في التصدي لمختلف التحديات التي تواجه الاقتصاد الوطني.

وفي العادة تنفّد سياسات الإصلاح الاقتصادي في شكل حزمة واحدة ووفقاً لأطار زمني واضح ومحدد تلتزم به كافة المؤسسات المعنية في الدولة وقد يتطلب الأمر، في حالة رفع الدعم دفعة واحدة، مراجعة سعر صرف الدينار الليبي، الذي تحدد، عام 2021، عند مستوًى غير توازني.

ثانيًا: في حالة الحاجة للدعم فان الدعم من حيث المبدأ يكون للمستهلك وليس للسلعة، أي كان نوعها، ويكون الدعم لمستحقيه وليس لكل المقيمين في البلاد؛ باستثناء السلع التي تقدم مجانا لمستحقيها مثل جرعات الكيماوي التي تعطى مجانا لمرضى السرطان.

ثالثًا: الدول التي رفعت الدعم عن المحروقات لم ترفعه دفعة واحدة، وإنما استبدلته بدعم نقدي وعلى مراحل، مع الإبقاء على نسبة بسيطة منه لأسباب اجتماعية وقبل البدء في استبدال دعم سلعة الوقود بدعم مستهلكي الوقود مباشرة ببدل نقدي، ينبغي تطوير منظومة خاصة، يتم بموجبها حصر مستحقي الدعم، ومعرفة أماكن تواجدهم، وتحديد الطريقة المناسبة لإيصال البديل النقدي لهم، وأساليب مراقبة الاستبدال، وضمان عدم ازدواجية الدعم.

رابعًا: الحكمة والحصافة تستوجب تطبيق السياسة المناسبة في الوقت المناسب، وأعتقد أن الوقت الآن غير مناسب لاتخاذ قرار بالرفع الكامل للدعم، حتى وان قررت الحكومة استبداله بالكامل نقداً ، وذلك لعدة أسباب يأتي في مقدمتها مرحلة عدم الاستقرار والانقسام الذي تمر بها البلاد، وعدم ضمان الالتزام الكامل بتطبيق رفع الدعم على كافة الجهات، إذ يمكن أن تكون هناك جهات يتم تزويدها بالوقود مجانًا، ومن ثم لا يوجد ما يحول دون تسرب الوقود منها لجهات أخرى، أو خلق سوق موازية له؛ بمعنى أن رفع الدعم يتطلب، أن يكون هناك مركز تكلفة لجميع الجهات العامة يحتسب فيها الوقود كمصروف يحمّل على مخصصاتها، ووجود حكومة تحتكر السلاح وتبسط نفوذها على كامل التراب الليبي، وان تقدّر وتعتمد المبالغ المخصصة كدعم نقدي، بديلاً لدعم سلعة المحروقات، ضمن ميزانية عامة موحدة معتمدة للدولة، في كل سنة مالية.

خامسًا؛ رفع الدعم دفعة واحدة، سيولد صدمة، ستكون لها تداعيات اجتماعية وأمنية، في غياب البدائل المناسبة لمن لا يستطيع الحصول على الوقود بسعره غير المدعوم، مثل المواصلات العامة، وغياب شبكة للحماية الاجتماعية.

سادسًا: في تقديري أن الأثر الاقتصادي للرفع الكامل للدعم دفعة واحدة، لا يقل عن آثر تخفيض سعر صرف الدينار الليبي على مختلف المتغيرات الاقتصادية، نظراً لأن الوقود (البنزين والديزل) يدخل ضمن عناصر التكلفة لكل الوحدات الإنتاجية والخدمية، ومن ثم يؤثر في أسعار كل السلع والخدمات، وإن تفاوتت نسبة تكلفة الوقود من مؤسسة إلى أخرى ومن جهة إلى أخرى، على الرغم من الوفر الاقتصادي على الخزانة العامة الذي يرتبه رفع الدعم ومعالجة التشوه الذي يسببه.

سابعًا: الوقود يعتبر سلعة ضرورية (للقطاع الإنتاجي والقطاع الاستهلاكي) ومن ثم فإن مرونة الطلب على الوقود تعتبر متدنية جداً، إن لم تكن صفرية بالنسبة لبعض الاستعمالات، ومن ثم فإن تكلفة المحروقات ستشكل مكونًا مهمًا ضمن ميزانية الأسرة وكنتيجة لذلك فإن رفع الدعم يترتب عليه إعادة توزيع الدخل من القطاع العائلي إلى القطاع الحكومي والإنتاجي، في شكل انخفاض في فائض المستهلك الذي كان يتمتع به كل من يشتري الوقود من محطات التوزيع بالسعر المدعوم.

ثامنًا: لا أتوقع أن يتوقف نشاط تهريب الوقود، عند رفع الدعم ولوكان رفعًا كاملاً، في ظل الأوضاع الحالية، عندما يكون التهريب من المصافي بشكل مباشر ومن قبل متنفذين، إذا صحّ ماورد ببعض التقارير الدولية بان التهريب يتم بمعرفة جهات عامة؛ وعندها يكون التهريب ليس نتيجة لتدني سعر الوقود، بسبب الدعم، وإنما في إطار الفساد الذي نعاني منه بعض الجهات، ثم أن ارتفاع كميات وقيمة الوقود المستورد، فيما بين عامي 2012 و2022، يؤشر إلى وجود تسرب واضح فيما يتم استيراده من الوقود.

تاسعًا: ينبغي العمل على تطوير القدرات الوطنية لتكرير النفط الخام محليًا، بحيث يكون الوقود المستورد متممًا لما يتم إنتاجه محليًا، ولتغطية العجز في قدرات التكرير المحلية، وبنسبة لا تتجاوز 25% من حاجة السوق المحلي.

عاشرًا: الأجدى أن يتم تطوير وتنفيذ استراتيجية وطنية للحماية الاجتماعية (شبكة حماية اجتماعية) قبل البدء في تنفيذ سياسة رفع الدعم، حفاظاً على الفئات الهشة من المجتمع وبحيث يكون الدعم لمستحقيه فقط.

مشاركة الخبر