“أبوسنينة”: الآفاق الاقتصادية لسنة 2024 

969

كتب الخبير الاقتصادي “محمد أبوسنينة”: الآفاق الاقتصادية لسنة 2024

إذا ما افترضنا جدلاً أن سنة 2023 كانت سنة مالية متكاملة محاسبيا ، فإنه تأسيسًا على بيان مصرف ليبيا المركزي حول الايرادات والنفقات العامة خلال الفترة من 1/1/2023 الى 31/12/2023 , نلا حظ أن الاقتصاد الليبي قد دخل سنة 2024 بعجز في ميزان المدفوعات يُقدّر بحوالي 11 مليار دولار وعجز في الميزانية العامة للدولة , يُقدّر بحوالي 40 مليار دينار ، في حال أضفنا ما أنفق على فاتورة المحروقات المستوردة من الخارج الذي يقدر بحوالي 40 مليار دينار الى إجمالى مصروفات الدعم الوارد ذكرها بالميزانية العامة خلال سنة 2023 ، وهو الرقم الذي لا يظهر ضمن بنود الانفاق بالميزانية العامة للدولة .

وهذا يعني ان الاقتصاد يعاني من فجوتين ، فجوة في ميزان المدفوعات وفجوة في الميزانية العامة للدولة ، وهو الوضع الاسوى الذي يمكن أن يمر به اقتصاد أية دولة .

مما يجعل الوضع الاقتصادي ، خلال سنة 2024 اكثر تعقيداً وصعوبةً ، مقارنة بسنة 2023 ، لا سيما وأن الدين العام قد بلغت نسبته 169% من الناتج المحلي الحقيقي ( بالاسعار الثابتة ) وحوالي 80% من الناتج المحلى الاجمالي الاسمي في عام 2022 ، وأن معدلات الدين العام في عام 2023 قد تجاوزت هذه النسب بكثير ، في غياب مصادر أخرى لتمويل العجز في الميزانية العامة للدولة .

وحيث أن الإيرادات النفطية المتأتية من تصدير النفط الخام كانت في حدود 20.7 مليار دولار المعادل ل 99.1 دينار ليبي ، خلال سنة 2023 ، وأن إجمالى المرتبات لوحدها ، في الميزانية تُقدّر بمبلغ 60.0 مليار دينار ، وتكلفة المحروقات ودعمها لمختلف الأغراض ( داخل الميزانية وخارجها ) في حدود 80 مليار دينار ، عليه إذا كان الهدف هو تحقيق ميزانية متوازنة خلال عام 2024 ، فإن أي انخفاض في أسعار النفط الخام دون 90 دولار للبرميل خلال عام 2024 بافتراض استمرار معدلات تصدير النفط على ماهي عليه ، أو عدم التمكن من تحقيق متوسط انتاج وتصدير النفط في حدود 2.0 مليون برميل يومياً ، مع استمرار أسعار النفط عند مستوى 81 دولار للبرميل ، فلن يتحقق هدف الميزانية المتوازنة ، وستدخل الدولة في عجز مالي قد يتعذر في ظله دفع فاتورة المرتبات في وقتها ، ناهيك عن تمويل دعم المحروقات والقيام بأي تمويل تنموي .

ومالم تتحقق هذه المتطلبات سوف تزداد الضغوط على سعر صرف الدينار الليبي في ظل تنامي الانفاق العام ، وسترتفع أسعار النقد الأجنبي في السوق السوداء ، وسيواجه المصرف المركزي تحديات كبيرة للمحافظة على قيمة الدينار الليبي .

وهذا يعني أن الظروف المالية والنقدية خلال عام 2024 ستكون الأسوأ بالمقارنة بالسنة السابقة ، إذا استمرت وتيرة إدارة المال العام على ماهي عليه ، واستمر الانقسام السياسي ، باعتبار أن التوسع في الانفاق العام يعني زيادة مؤكدة في الطلب على النقد الأجنبي ، الذي يتجه معظمه لتمويل أغراض استهلاكية ، ومن ثم تزايد الضغوط على سعر الصرف وتفاقم العجز في ميزان المدفوعات ، ناهيك عن الآثار التضخمية لهذه المعطيات .

وأمام هذه الاوضاع المتوقعة خلال عام 2024 فانه للخروج من دائرة الازمات المفرغة التي يدور فيها الاقتصاد الوطني ، على المدى القصير ، وتفادياً للتفكير في تخفيض سعر صرف الدينار الليبي بهدف المحافظة على الاحتياطيات ، ليس هناك من خيار أمام السلطات المالية والنقدية إلا تبني وتطبيق مايعرف بالكبح المالي ( Targeted austerity ) و التشديد النقدي ( Deliberative tightening ) ، وهما سياستان مالية ونقدية تهدفان إلى ضبط المالية العامة واعادة النظر في بنود الانفاق والايراد العام ، من جهة ، والحد من التضخم بالتحكم في عرض النقود ، من جهة أخرى ، وصولاً إلى التثبيت ، فضلاً عن إتخاذ الإجراءات الكفيلة بالحد من الفساد ومقاومته .

وعلى المدى الطويل لا خيار أمام السلطات المعنية إلا اعادة هيكلة الاقتصاد الليبي برمته ( Economic Restructuring ) لتنويع مصدر الدخل .