الترهوني يكتب: هل سنشهد نظام اقتصادي عالمي جديد تقوده بريكس!

645

كتب د. عبدالله ونيس الترهوني: إستغلت الولايات المتحدة الامريكية بصفتها قائدة الحلفاء في الحرب العالمية الثانية نتائج هذه الحرب أحسن إستغلال فسيطرت على الكوكب إقتصادياً من خلال المؤسسات العالمية (في ظاهرها) وهما البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وسياسياً من خلال مجلس الامن وهيئة الامم المتحدة، وصارت الولايات المتحدة شرطي العالم الذي لايقبل غير السمع والطاعة من باقي الدول، ومن يعترض وجه هذا الشرطي سيواجه بفيتو في أروقة مجلس الامن، والذي بدوره مكن الصهاينة من التمترس ثم التوسع في أرض فلسطين الحبيبة، وفي حال تعذر ذلك فان الاساطيل والجيوش الامريكية والغربية جاهزة للتحرك بقرار من خارج هذا المجلس البائس كما حصل فيالعراق الشقيق 2003.

من ألطاف الله أنه ومنذ أن هبط سيدنا آدم على وجه هذه البسيطة وحتى اليوم لم تفرض أمة أو عرق سيطرته على كامل الكوكب، بل جعل الله من التنافس والتدافع والحراك هو السمة الأبرز لبني البشر، وبالتالي فإن خروج دولة أو دول عن الاجماع الدولي (القطيع) لايُعد شذوذاً عن القاعدة بل هو تكريساً لهذه السُنة الكونية، فعلى سبيل المثال: جزيرة كوبا والتي لاتبعد إلا أميالاً معدودة عن الولايات المتحدة هي على النقيض منها تماماً في كل شئ تقريباً، وبالمثل كوريا الشمالية بالمقارنة مع جاراتها كوريا الجنوبية واليابان.

في هذا الاطار، فإن تكتل بريكس الاقتصادي BRICSوالذي يضم أكبر إقتصادات ناشئة في العالم هو إختصار للحرف الاول من أسماء دول البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب افريقيا، وتعود فكرة إنشائه الى العام 2001، وقد أنضمت جنوب أفريقيا للتكتل في العام 2010، ويسعى التكتل للتخلص من سيطرة الدولارالامريكي على الاقتصاد العالمي، وإحداث توازن اقتصادي عالمي، وأن مايميز الدول الخمس المؤسسة له أو حتى المنظمة حديثاً هو عدم تبعيتها للغرب (ليست أعضاء بحلف الناتو)، وقد أنشأ التكتل بنكاً متعدد الأطراف عُرف بإسم بنك التنمية الجديد في العام 2014 وبرأسمال 50 مليار دولار.

بحسب بيانات البنك الدولي فقد تجاوز الناتج الاجمالي العالمي مع نهاية العام الماضي 100 تريليون دولار امريكي، وبلغ الناتج الاجمالي لدول تكتل بريكس الخمسة 26 تريليون دولارامريكيبنهاية نفس العام :الصين 18، الهند 3.4، البرازيل 2، روسيا 2.2، جنوب افريقيا 0.405، ومع قبول ست أعضاء جدد نصفهم عرب صار يُعرف بأسم (بريكس بلس (BRICS +والاعضاء الجدد هم مصر والسعودية والامارات والارجنتين وايران واثيوبيا، وأن إنضمام هذه الدول سيضيف أكثر من ثلاثة تريليونات دولار أمريكي كناتجإجمالي للتكتل، أي أن تكتل بريكس بلس سيتجاوز في ناتجه الاجمالي الناتج الاجمالي لمجموعة G7، وسيعطي زخماً إقتصادياًضخماً لأنه يضم موارد ضخمة من مناطق مهمة جيوسياسياً من دول الشرق الأوسط وأفريقيا وأميركا اللاتينية.

بعبارة أخرى لقد صارت ممرات مائية وتجارية ومضائق هامة ضمن سيطرة دول هذا التكتل، وأن دول التكتل الاحدى عشر صارت تستحوذ على 42% من إنتاج النفط العالمي وعلى 38 % من إنتاجالغازالعالمي ، وعلى 67 % من إنتاج الفحم العالمي، ومن جانب آخر، فإن إنضمام الدول الستة الجديدة يعني وصول عدد سكان هذا التكتل إلى أكثر من ثلاثة مليارات و670 مليون نسمة، يشكلونوحدهم أزيد من 46% من إجمالي سكان الكوكب وهم يعيشون على أكثر من 32% من اليابسة، وهذا بدوره سيحقق للدول الاعضاء الاستفادة من فائض القوى العاملة لديها، وسيخلق المزيد من الفرص وفي مواقع إقتصادية بعيدة عن بعضها، وبالتالي سيؤديلتزويد المستهلكين حول العالم بسلع أرخص سعراً، وسيستفيد الأعضاء الجدد من نقل التكنولوجيا والتصنيع من الدول الصناعيةالكبرى مثل الصين والهند الى بلدانهم.

إتفاقية الاحتياطي الطارئ ميزة يقدمها التكتل للدول الاعضاء،والتي يمكن من خلالها دعم أي من الدول الأعضاء من التراجع فيالمصادر الدولارية في الاحتياطي النقدي الخاص بها، كما أن هناك دعماً للدول الأعضاء ممن يواجهون عجزاً بالموازنة، وبشئ من التفصيل فإن إتفاقية الاحتياطي الطارئ الخاصة بالتكتلContingent Reserve Arrangement تمثل آلية لتوفير السيولةدعماً للدول الأعضاء في التكتل ممن تواجه مشكلات في ميزانالمدفوعات، وذلك من خلال ترتيبات المقايضة بين البنوك المركزية فيالبلدان الأعضاء والذي يُمكن مبادلة العملات المحلية بالعملاتالصعبة بالنسبة للدول الاعضاء والتي تواجه نقصاً في العملاتالاجنبية، والذي بدوره يوفر فرصاً إقتصادية كبيرة أمام الدولالأعضاء .

ختاماً، إن الحديث عن نظام مالي عامي جديد وعن الاستغناء الدولار كعملة عالمية هو حديث سابق لأوانه، وإن أثبتت الحرب الروسية الأوكرانية عكس ذلك، وسيبقى الدولار وعلى المدى القريب وربما المتوسط عملة معيارية عالمية حتى لدول بريكس بلس نفسها، وأن إصدار هذا التكتل لعملة خاصة به (ومهما كان غطائها ذهب أوغيره) سيكون هو أحد العوامل الحاسمة في خفض الإعتماد على الدولار الأمريكي كعملة تداول عالمية.