“الترهوني” يكتب: واقع ليبيا ضمن تقرير الأمم المتحدة لأهداف التنمية المستدامة 2022

214

كتب: د. عبدالله ونيس الترهوني

يعتبر مفهوم التنمية من أهم المفاهيم في القرن العشرين، ولا يمكن للتنمية أن تكون تنمية مالم تحقق قيمة مضافة، وأن تكون هذه التنمية مستدامة قدر الإمكان ، وأن تأخذ في الاعتبار البعد المحلي لجميع المناطق بما فيها تلك النائية،ولذلك ظهر مصطلح التنمية المكانية ضمن مفهوم التنمية الشاملة والذي يحدد إمكانيات الإقليم و تنافسية قطاعاته وتموضعه داخل الاقتصاد الكلي للبلاد.

أما التنمية المستدامة فهي مصطلح مختلف تماماً عن مصطلح التنمية، وقد عرفتها الأمم المتحدة بأنها عملية تطوير الأرض والمدن والأعمال التجارية والمجتمعات بشرط أن تلبي احتياجات الحاضر بدون المساس بقدرة الأجيال القادمة على تلبية حاجاتها، ويواجه العالم اليوم خطورة التدهور البيئي والذي يجب التغلب عليه مع عدم التخلي عن حاجات التنمية الاقتصادية وكذلك المساواة والعدل الاجتماعي، أي أن التنمية المستدامة تتعلق بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية (الانسانية) والبيئية للمجتمعات في يومها الحاضر ومدى علاقتها بالمستقبل.

في ذات السياق، صدر قبل أيام تقرير الأمم المتحدة السنوي عن مدى التقدم في تحقيق أهداف الأمم المتحدة السبعة عشر للتنمية المستدامة 2030 ، التقرير مفصل ومتشعب ويقع في 500 صفحة وضم 193 دولة، وقد أشار إلى تباطؤ دول العالم في تحقيق أهداف التنمية المستدامة خلال العامين 2020 و2021 بسبب تفشي الجائحة، ودعا التقرير الى ضرورة توفيرخطة عالمية لتمويل مالي مناسب لتحقيق هذه الأهداف ، وأوضح التقرير ستة أولويات لضمان خطة التمويل هذه، وأن قادم الخطوات يجب أن تكون ضمن إطار عالمي لأجل رسم وتتفيذ خطة التمويل المنشودة، كما أوضح التقرير أيضاً أن الدول الاوروبية عموماً والاسكندنافية منها خصوصاً جادة في تحقيق أهداف التنمية المستدامة، حيث جاءت فنلندا في صدارة الترتيب العالمي ب 86.5 نقطة تلتها كل من الدانمارك والسويد والنرويج، في حين جاءت تشاد وأفريقيا الوسطى وجنوب السودان في التراتيب الثلاثة الأخيرة من 161 وحتى 163، وضم التقرير أيضاً  30 دولة بدون أي تراتيب وهي دول أما تعاني من صراعات أو هي في الأصل صغيرة جداً.

فيما يخص ليبيا والتي تقع خارج التصنيف (ضمن ال30 دولة غير المصنفة) فقد أشار التقرير إلى وجود صعوبات جمة في تحقيق أهداف التنمية المستدامة بسبب حالة عدم الإستقرار ، وأنها لم تحقق أي من أهداف التنمية المستدامة السبعة عشر حتى الأن ، وفيما عدا الهدف الثاني عشر (الاستهلاك والانتاج المسؤولان) والذي أشار فيه التقرير إلى أن ليبيا في طريقها الصحيح لتحقيقه، فإن ليبيا قد تراجعت في تحقيق الهدف الثاني والسابع والتاسع والحادي عشر والسابع عشر، وانها لم تحقق أي تقدم في تحقيق الهدف الثالث والخامس والثالث عشر والرابع عشر والسادس عشر، وإن التقدم الذي حصل في تحقيق الهدف السادس والثامن والخامس عشر بالكاد يذكر.

من نافلة القول أن المشكلة في ليبيا منذ سنوات طويلة تكمن في عدم وضوح وتكامل السياسات Polices ، لأن الجميع يعمل في جزر منعزلة تماماً عن الآخرين ، والتي قد تنتج غالباً تعارضاً في السياسات بين الإقليم المحلي (البلديات) والحكومة المركزية، وهذا لم ولن يكون في صالح التنمية الشاملة والمنشودة، فالاقليم البحري) كأساس للاقتصاد الازرق) على سبيل المثال والذي يضم الصيد البحري والسياحة الشاطئية ويعمل كمحرك لباقي قطاعات الاقتصاد الأخرى لم يشهد أي نمو منذ سنوات ويعمل غالباً بمعزل عن باقي مكونات الاقتصاد، وبالمثل الإقليم البري والذي يضم التربة الصالحة لصناعة مواد البناء والزجاج والذي يجب أن يكون مركزاً لنشاط صناعة مواد البناء.

في الأحوال الطبيعية، يتم وفقاً لبيانات صحيحة ودقيقة إعداد خارطة اقتصادية وطنية شاملة والمبنية أساساً على التخطيط والتكامل بين كامل مكونات الاقتصاد لتحدد بكل وضوح مصادر ومحددات الدخل القومي البديلة وكيفية توزيعها جغرافياً ضمن أهداف التنمية المكانية للبلاد، ثم يأتي دور الحكومة بعد ذلك والمتمثل في التوزيع الافقي للعوائد الكلية ، ولكن بشرط توفر البنية التحتية المتكاملة وتسهيل إجراءات وتسجيل الأعمال Ease to doing business

من البديهي القول أنه في حال استقرار البلاد يقع على الأقاليم والمحليات النهوض وتطوير مواردها الطبيعية والبشرية الذاتية، وتسويق خصائصها المميزة، وبالتالي فإنها سوف تفلح في فتح شراكات جديدة وخلق بيئة إستثمار صحيحة وجاذبة للمستثمرين سواء كانوا محليين أو اجانب، في المقابل أكدت أغلب الدراسات التنموية الليبية على ضرورة خلق بدائل دخل قومي لليبيا غير النفط للخروج من مأزق الاقتصاد الريعي ومن عباءة المرض الهولندي وهو المحفز لبيئة وثقافة الفساد السائدة الأن ، والذي يتم بالتركيزعلى مكونات وفرص الاقتصاد الجديد، وتنشيط دور القطاع الأهلي (الخاص) من خلال منح الأولوية للمشاريع الصغرى والمتوسطة، وللمشاريع القائمة على اقتصاد المعرفة أي التركيز على قطاع الخدمات، وذلك للحد من شأفة البطالة ولمعالجة تضخم الجهاز الحكومي وترهله.