بالوثائق والأسماء.. توريد أدوية مغشوشة وعبث بأرواح مرضى الأورام الليبيين بتركيا!

221

تحصلت صحيفة صدى الاقتصادية حصرياً على وثائق تقديم بلاغ إلى النائب العام، ورئيس ديوان المحاسبة، ورئيس هيئة الرقابة الإدارية، ورئيس هيئة مكافحة الفساد، ورئيس جهاز الأمن الداخلي، ورئيس جهاز دعم وتطوير الخدمات العلاجية، وسفير ليبيا بدولة تركيا، بشأن واقعة توريد المكتب الصحي بالسفارة الليبية بأنقرة لأدوية مغشوشة ومجهولة الهوية لمرضى الأورام الموفدين للعلاج بالمستشفيات بإسطنبول .

حيث ورد بلاغ للمكتب الصحي من مستشفى (غازي عثمان باشا) في 28 مارس 2024، بشأن قيام الصيدلية المتعاقد معها من قبل المكتب الصحي “صيدلية طبيبك” بتوريد أدوية لمرضى الأورام الليبيين غير صالحة للإستخدام بإعتبار أنها مجهولة الهوية وغير معتمدة بوزارة الصحة التركية ولا تحمل الباراكود الخاص بالأدوية وقد تكررت هذه الواقعة يومي 7 و8 مارس 2024م، وقد رفض المستشفى حقنهم بهذه الجرعات حرصاً على حياتهم، فهذه الأدوية المرفوضة تعد تهديد حقيقي لسلامتهم، وهم بالأساس مهددين طبياً بهذا المرض، وقد شمل هذا البلاغ توريد أدوية مغشوشة للمرضى “خولة بشير طاهر والي” و “سميرة سالم ميلاد أبونواره” و “بنينة علي الغزالي السبيعي” و “ونيس محمد إبراهيم بن حميد” و “مصطفي محمد الزاوي” و “مسعودة الجالي علي علي” و “خالد شعيب ارحيم العبيدي” .

وفي تاريخ 15 أبريل 2024 إستلم المكتب الصحي شكوى من المريض “طاهر اسميو” وهو أحد مرضى الأورام الذين يتم علاجهم في مستشفى آخر، وهو مستشفى ميديبول، بشأن إستلامه دواء مجهول الهوية ودون رقم ألي، وتم توريده وصرفه من نفس الصيدلية المذكورة، وقد رفض استلامه بمبادرة شخصية منه، حيث لم يتخذ المستشفى بخلاف مستشفى غازي عثمان باشا الذي رفض الأدوية ولا مندوبين المكتب الصحي المتابعين لحالات المرضى أي إجراء بشأن هذا الدواء، وهو ما يعني بالضرورة أن هناك مرضى آخرين تم حقنهم بهذه الجرعات المغشوشة، فالأصل أن المريض لن ينتبه لفحص علب الدواء المصروفة له .

كما ظهرت هذه المعطيات وتكشفت هذه الجريمة بدايةً بالكتاب المشار له آنفاً والصادر عن رئيس وحدة الشؤون الطبية بالمكتب الصحي وهو أحد أهم المسؤولين عن هذه الجريمة التي من ضمن أطرافها (شركة طبيبك)، وهي الجهة التي تعاقد معها المكتب الصحي لتوريد جرعات الدواء الكيماوي لمرضى الأورام الموفدين للعلاج بدولة تركيا، وهي تُعد عدة شركات مختلفة، وقد تعاملت مع المكتب الصحي بمسميات مختلفة يجمعها لفظ “طبيبك”، وتعود ملكيتها جميعاً لنفس الشخص وهو المدعو عبد المطلب الهادي الزروق، ليبي الجنسية، وبحسب ما ذُكر وبالوثائق هو أحد الأسماء المرتبطة بإحدى التشكيلات المسلحة الأفلة من مدينة طرابلس، ولعل ذات التشكيل هو الذي إستعان به رئيس المكتب الصحي للإطاحة بسلفه رئيس المكتب الصحي السابق من خلال إبتزاز مسؤولي وزارة الخارجية وإرغامهم على إستدعائه لطرابلس لأسباب واهية، فيكون تعاقد رئيس المكتب الصحي مع هذه الشركة من باب رد الجميل لمن مكنه من تولي هذه الوظيفة .

وأما عن مسميات هذه الشركات فقد وردت بعدة أشكال، أولها شركة طبيبك في حلتها الأولى، وقد جاءت تحت مسمى “TABIBAK MEDIKAL HIZMETLER IC VE DIS TICARET سيركيت محدودة” وهذه الشركة تم تأسيسها بتاريخ 2023/يونيو/16م مقرها في مدينة إسطنبول ورأس مالها 300 ألف ليرة أي ما يعادل 10 آلاف دولار “يعني رأسمال أي محل لبيع الخضار يفوق رأسمال هذه الشركة حسب السجل التجاري رقم (465971-5) علماً بأن أسمها في العرض المقدم لرئيس المكتب باللغة العربية (شركة طبيبك للخدمات الصحية .

وفي حُلتها التانية سُميت “TABIBAK ECZA DEPOSU
‏SANAYI VE TICARET” حسب ما هو وارد في العقد المبرم مع رئيس المكتب الصحي، علماً بأن سجلها التجاري يحمل الرقم (468010)، ومقرها في مدينة أنقرة، وحُلتها الثالثة “TABIBAK PHARMA ECZA DEPOSU TICARET LIMITED SIRKETI” وذلك وفقاً لما هو وارد في المطالبات المالية الخاصة بالشركة والمقدمة للمكتب الصحي، وهذه الشركة تم تأسيسها بتاريخ 7 ديسمبر 2023م حسب السجل التجاري رقم (5-494962)، ومقرها في مدينة إسطنبول ورأس مالها 400 ألف ليرة تركية، أي ما يعادل 13 ألف دولار “يعني رأسمال أي محل لبيع العطارة يفوق رأسمال هذه الشركة”، علماً بأن مخاطبات رئيس المكتب الصحي الموجهة للمراقب المالي للصرف هي أيضاً تغيرت، فبعد أن كانت تذكر تحت مسمى شركة طبيبك في مخاطبات رئيس المكتب الصحي أصبحت تذكر تحت مسمى صيدلية طبيبك، كما أن المكتب الصحي تلقى عرض من شركة فوافق عليه، ثم تعاقد مع شركة أخرى ليست هي صاحبة العرض، ثم نفذ العقد مع شركة ثالثة يتم تسديد القيم المالية لصالحها ليست هي لا بالأولى ولا الثانية في سابقة غريبة، ولا يخفى على أحد أن كل هذه المتاهات والتلاعب بالمصطلحات والتحايل ما هو إلا وسيلة لإخفاء بيانات الشركة ولمن تعود ملكيتها وعلاقته بالمسؤولين بالسفارة الليبية بتركيا وعلى رأسهم رئيس المكتب الصحي هذا عن ماهية الشركة .

وفي واقعة تجسد تواطؤ عدد من المسؤولين بالسفارة الليبية بتركيا كرئيس المكتب الصحي وغيره تم دفع مبلغ 15 مليون ليرة تركية، أي ما يعادل نصف مليون دولار لهذه الشركة كدفعة على الحساب بموجب إذن صرف يحمل رقم 1/9 ومؤرخ في 2024/يناير/24م “طبعاً هذا الرقم لا علاقة له ولا يتناسب مع رأسمال الشركة”، دون أن يسبق ذلك مراجعة واعتماد للفواتير المقدمة من الشركة من قبل الجهة المكلفة من الدولة الليبية بتدقيق فواتير الخدمات العلاجية “شركة الشفاء للتدقيق الطبي والمراجعة”، حيث يشترط لدفع أي قيمة لأي مزود للخدمة اعتماد شركة المراجعة للفواتير المقدمة من قبله، فبناءً على العقد المبرم بتاريخ 2022/07/05م بين السفارة الليبية بتركيا وشركة الشفاء للتدقيق الطبي كلفت هذه الأخيرة مراجعة بفحص وتدقيق فواتير المكتب الصحي من جميع النواحي الطبية والإدارية والمالية، وتبعاً لذلك غلت يد أي مسؤول بالسفارة عن دفع أي مبلغ لأي جهة ما لم يتم اعتماد الفواتير من قبل هذه الشركة، وبعد صرف هذه القيمة تمت إحالة فواتير شركة طبيبك لشركة التدقيق الطبي للمراجعة والاعتماد عدد 191 مريض – بمجموع 242 فاتورة) وهنا كانت المفاجأة من العيار الثقيل فبتاريخ 2024/02/19م صدر تقرير شركة الشفاء للمراجعة والتدقيق الطبي رقم (H-Tabi-1-2-24) وقد تم بموجبه رفض جميع فواتير شركة طبيبك المحالة للمراجعة والاعتماد، وذلك لأسباب عديدة تُجسد منظومة الفساد التي تسكن المكتب الصحي بتركيا، ومن تلك الأسباب إن تاريخ ترخيص الشركة الذي يسمح لها بمزاولة هذا النشاط هو 7 ديسمبر 2023 في حين أن تعاقد المكتب الصحي معها قد سبق ذلك بكثير وأن جزء كبير من الفواتير المحالة للتدقيق صدر قبل هذا التاريخ مما يوجب رفضها، كما يوجب مساءلة السفارة الليبية حول كيفية التعاقد مع جهة لا تحمل ترخيصاً بمزاولة النشاط، وإن جميع الفواتير غير مسجلة بمنظومة وزارة المالية التركية “تعتبر مزورة” وبالتالي فإنها غير قابلة للدفع، وفي عدة حالات وفي واقعة نصب وسرقة جلية تمت مضاعفة كميات الدواء المطلوب دفع قيمتها لثلاث أضعاف الكمية المصروفة بالفعل والتي تضمنتها الوصفات الطبية لكل حالة، كما أنه بعد رفض شركة التدقيق قيق الطبي لاعتماد جميع الفواتير المحالة من شركة طبيبك يكون رئيس المكتب الصحي وكل من شاركه في اتخاذ إجراءات دفع مبلغ (500,000 $) نصف مليون دولار لهذه الجهة شركاء فعليين في إهدار المال العام والعبث بمخصصات مرضى الأورام بتمكين هذه الشركة المشبوهة بالاستيلاء على هذا المبلغ، هذا عن خلفيات التعاقد مع شركة طبيبك والمعاملات التي تمت بعد التعاقد.

أما عن قيام هذه الشركة بجريمة توريد أدوية مغشوشة لمرضى الأورام الموفدين للعلاج بمستشفيات اسطنبول فهي غير صالحة للاستخدام من حيث أنها مجهولة الهوية ومجهولة المنشأ ولا تحمل رقم آلي “باركود”، فقد تكون مهربة أو مغشوشة أو فاسدة، فهي لم تخضع بأي حال للفحص والرقابة الدوائية، ولم يتم استيرادها وجلبها تحت إشراف وزارة الصحة التركية ولا نقابة الصيادلة التركية، وتعتبر هذه الأدوية في المجال الطبي أدوية فاسدة وغير صالحة للاستعمال، وتمثل خطر حقيقي على متناولها من مرضى الأورام، وقد تم اكتشاف هذا الأمر من قبل الأطباء التابعين لمستشفى غازي عثمان باشا، الذين رفضوا حقن المرضى بهذه الجرعات الفاسدة، واتخذوا إجراءات واتخذ بإرجاعها، كما أن سبب اتخاذ الزمرة الفاسدة بالمكتب الصحي لإجراءات إيقاف شركة طبيبك عن العمل نهاية شهر 2024/04م، وسبب إصدار كتاب رئيس وحدة الشؤون الطبية بالمكتب الصحي المؤرخ في 2024/05/16م الذي أثبت واقعة توريد شركة طبيبك لهذه الأدوية الفاسدة هو كان نتيجة مباشرة لتحرك وحدة الشؤون القضائية بالسفارة بتقديمها بلاغا رسميا معلنا للنائب العام المستشار الصديق صور بالوقائع ذات الصلة بهذه الشركة المشبوهة “شركة طبيبك” والتي تضمنها تقرير شركة المراجعة والتدقيق الطبي المشار له سلفا.

ومن ضمن المتهمين في هذه الجريمة مدير وحدة الشؤون الطبية بالمكتب الصحي “معن المبروك” والذي أصدر كتابه رقم (12-2) المؤرخ في 2024/05/16م والموجه إلى رئيس المكتب الصحي وتضمن البلاغ الوارد من مستشفى غازي عثمان باشا بشأن توريد جرعات مجهولة الهوية لمرضى الأورام ورفض المستشفى لها، وإفادة بشأن استلامه شخصياً للشكوى المقدمة من المريض “طاهر اسميو”، وإقرار بأنه قد تواصل مع مندوب شركة طبيبك بشأن هذه الشكوى المشار لها، حيث طلب منه استبدال هذه الجرعة الفاسدة بأخرى يمكن حقن المريض بها، وقد وعد المندوب بتوفير الجرعة البديلة خلال شهر واحد ولم يتم الوفاء بذلك.

كذلك من ضمن المتهمين رئيس المكتب الصحي تركيا “رضوان صالح مسعود” المُتعاقد مع شركة طبيبك، والذي أصدر كتابه رقم (119-024) الموجه إلى رئيس جهاز دعم وتطوير الخدمات العلاجية بشأن اتخاذه الإجراءات بايقاف شركة طبيبك عن العمل نظراً لعدم تزويده بمستندات الشركة، والذي يُلاحظ من خلاله إقرار المدعو بتعاقده مع شركة لا يمتلك لها أي مستند أي أنها جسم مجهول، فعلى أي أساس تم قبول العرض وتوقيع العقود ودفع قيمة تحت الحساب لصالحها كما ذُكر سابقاً، وما جعل الأنظار تلتفت إليه كذا توقيت كتابه المعني بإيقاف شركة طبيبك يظهر بوضوح الأسباب التي أدت لهذا الإيقاف، ألا وهي البلاغات المقدمة من وحدة الشؤون القضائية بالسفارة للنائب العام بشأن هذه الشركة، وقد كان هذا الكتاب محاولة لفك الإرتباط مع شركة طبيبك والتبرؤ من جرائمها في حق مرضى الأورام، حيث أنه لماذا لم يُذكر في كتاب إيقاف هذه الشركة هو توريدها لأدوية فاسدة ومجهولة الهوية رغم علم رئيس المكتب الصحي بهذه الوقائع، كما أن جهاز دعم وتطوير الخدمات العلاجية لم يعطي الإذن بالتعاقد مع هذه الشركة إلا بعد إصرار وإلحاح رئيس المكتب الصحي فمنح إذناً استثنائياً للتعامل مع هذه الشركة لمدة شهر واحد وعلى أن يكون ذلك بموجب محضر إتفاق بالخصوص، في حين أن كتاب الإيقاف الصادر عنه صدر بعد ثمانية أشهر من مباشرتها للنشاط.

ويطول الحديث في هذه القضية التي يقتضي من خلالها توجيه استفسارات لبعض العناصر الرئيسية الأخرى في منظومة المكتب الصحي خصوصاً والسفارة الليبية بدولة تركيا عموماً وإلى كُل من (المراقب المالي بالسفارة الليبية تركيا – نائب رئيس المكتب الصحي تركيا – موظفي المكتب الصحي، وخصوصا المشرفين والمتابعين المكلفين بمتابعة المرضى بمستشفى غازي عثمان باشا ومستشفى ميديبول – والسفير الليبي بتركيا )