“محمد أبو سنينة” يكتب مقالًا بعنوان “من حقنا أن نحلم”

250

كتب الخبير الاقتصادي “محمد أبو سنينة” مقالاً بعنوان: من حقنا أن نحلم.

الحلم الذي نعنيه ،،، هو حلم بناء الدولة، دولة واحدة قوية وشعب واحد ووطن يسع الجميع، وينعم الجميع بخيراته. نراهن على مشروع بناء دولة، وفي الغالب يبدأ البناء بأحلام قد تكون أكبر منّا وقد تفوق مواردنا، ولكن مهما كانت التحديات والعقبات لا شيء ينبغي أن يثبط همتنا أو يكسر إرادتنا أو يهزم أحلامنا.

ندرك أن الأحلام لا تتحقق بين يوم وليلة، والرؤى لا تتبلور في حينها، و قد تستغرق سنوات وربما عقود ولكنّها تتحقق عندما يكون قوامها الإنسان الليبي الذي نعوّل عليه ونبني من أجله .

أحلم وأتمنى أن أرى في بلدي ليبيا مشروعا استثماريًا (مناطق حرة توفر خدمات الشحن والتخزين والتغليف والتصنيع بالتجميع وإعادة التصدير) توّلد دخلًا سنويًا لا يقل عن سبعة مليارات دولار سنويًا، تُنافس المنطقة الحرة في جبل علي وتتفوق عليها، بحكم المقومات المتوفرة، وأتمنى أن أرى مطارات عالمية على الأراضي الليبية تربط دول العالم وتقرّب المسافات بينها، من خلال خدمات الترانزيت والشحن، حيث يتوسط موقع ليبيا العالم ويربط قاراته الخمس، تُوَلد هذه المطارات دخلًا لا يقل عن خمسة مليارات دولار سنويًا.

وأتمنى أن أشهد قيام صناعات تصديرية، خاماتها متوفرة بكثافة عالية وبجودة عالية، وتمتلك فيها ليبيا ميزة نسبية، تَدُر دخلًا سنويًا لا يقل عن خمسة مليارات دولار سنويًا .

وأتمنى أن تقوم سياحة تؤسس على المقومات السياحية الذاتية المتوفر في ليبيا، بشراكة بين القطاع الخاص الوطني والاستثمار الأجنبي (قُرى سياحية على امتداد شاطيء البحر، ومنتجعات علاجية، ومناطق للاستجمام والترفيه على جبل غريان والجبل الأخضر والبحيرات الصحراوية (قبر عون، ومندرة وغيرها) تدر دخلا لا يقل عن عشرة مليارات دولار سنويًا.

أتمنى أن تقام صناعات تنتج الوقود الحيوي بالشراكة مع الاستثمار الاجنبي، باستخدام خام النفط الليبي المكرر والمعالج، لتغزو به ليبيا أسواق العالم، عندما يتحوّل النفط إلى وقود حيوي بطاقات إنتاجية كبيرة، تدعم به مكانة النفط الليبي كمصدر للطاقة النظيفة، تُولّد دخلًا لا يقل عن خمسة مليارات دولار سنويا، وأتمنى أن تقام محطات لتوليد الطاقة الشمسية ذات أحجام كبيرة ( mega projects ) على الأراضي الليبية الشاسعة، تكفي حاجة البلاد وتصدر الفائض إلى الخارج، وتدُرُّ دخلًا لا يقل عن خمسة مليارات دولار سنويا

وأتمنى أن تقام محطات لتحلية مياه البحر بطاقات إنتاجية عالية على أمتداد شاطئ البحر وتوصيل مياهها إلى مختلف المدن التي تفتقر للمياه لمختلف الاغراض.

وكم أتمنى أن يتم غرس مليون شجرة زيتون ومليون شجرة نخيل على الأقل ورعايتها، لتصبح ليبيا من أهم الدول المصدرة لزيت الزيتون وأجود أنواع التمور، وهذا سيوّلد دخلًا لن يقل عن اثنين مليار دولار سنويًا .

وأتمنى أن يتم استصلاح خمسة آلاف دائرة لإنتاج الحبوب حيث تتوفر المياه تنفذ من قبل القطاع الخاص الليبي أو من خلال مشاركة مع مشروعات القطاع العام التي كانت تزاول هذا النشاط .

وبذلك يتحقق الأمن الغذائي و الأمن المائي

و الأمن الطاقي .

وكم أتمنى أن يتطور القطاع المصرفي، من خلال نقل المعرفة في الصناعة المصرفية، وتبنًي التحول الرقمي، والشمول المالي، وليكون هذا القطاع الأداة والوسيلة ( vehicle ) التي تجُر النشاط الاقتصادي وتنقله من وضعه المتردي إلى آفاق النمو، وتعزز مسار النّمو الاقتصادي والتنمية المستدامة.

هذه الاستثمارات في مجموعها ستولد دخلًا سنويًا لليبيا لن يقِل عن أربعين مليار دولار سنوياً، لا تتحقق بالاكتفاء بتصدير النفط فى المدى الزمني القريب أو البعيد .

يومها يكون الاقتصاد الليبي متنوعًا رأسيًا، ولن يعتمد على تصدير النفط الخام والغاز، ولن يكون اقتصادًا ريعياً غير منتجٍ، ولن تكون هناك بطالة في ليبيا، وسيرتقي مستوى معيشة الأفراد، وتتدفق بقية الخدمات تباعاً، وتتحقق دولة الرفاه، وسيكون الاقتصاد الليبي اقتصاداً رائدا منافساً في شمال إفريقيا وحوض البحر الأبيض المتوسط .

امّا الاستمرار في تصدير النفط وصرف إيراداته في شكل مرتبات ودعم، على النحو الذي يجري اليوم، فإنني أراه نوعا من الموت البطيء .

هذه الأمنيات ليست مجرد تفكير رغبي ( wishful thinking ) كما يعتقد البعض، بل هي طموحات وأهداف قابلة للتحقيق، لأن الموارد اللازمة لتحقيقها متوفرة، وأن ليبيا هي الوجهة الجديدة ( the new frontier) للاستثمارات الاجنبية، والرغبة في الدخول لليبيا لأغراض الاستثمار والاستفادة من الفرص السانحة موجودة، وهي أحد العوامل وراء الصراع والاهتمام بليبيا من قبل الدول الفاعلة اليوم.

كل مانحتاج إليه رجال دولة لهم فكر استشرافي نهضوي، ورؤية واضحة، وإرادة سياسية وطنية قوية، بعيدة عن المصالح الشخصية والحسابات الضيقة، وليس وراءها سوى وضع مصلحة ليبيا فوق كل اعتبار، وكسر حاجز الخوف النفسي، والخروج من القوقعة إلى النور بإرادتنا الحرة، وما ذلك على الله بعزيز ،،،،

ولكم أن تضعوا، كالعادة، ما شأتم من الشروط التعجيزية والعراقيل كي لا تدور العجلة، ولكنني عوضاَ عن ذلك، أنصح بإثراء الموضوع وسبر أغواره والتأكيد عليه والدفع في اتجاه تحقيقه، و أؤكد، استقراءً للواقع، أنه لا يوجد أمامنا خيار آخر للبقاء على هذه الأراض وامتلاك الوطن والتمسك به، أو سيكون مصيرنا إلى زوال.