
| مقالات اقتصادية
“أبوسنينة”: حول قيام الولايات المتحدة الأمريكية بفرض رسوم جمركية على وارداتها من مختلف دول العالم بما في ذلك ليبيا
كتب: الخبير الاقتصادي “محمد أبوسنينة” مقالاً
الولايات المتحدة الأمريكية تعتبر من أكبر الاقتصادات اعتماداً على الخارج، وعندما تتجول في الأسواق الأمريكية قلّما تجد سلعة صنعت في أمريكيا، خاصة السلع الاستهلاكية، مثل الملابس والأحذية والمفروشات والحلي ومنتجات التكنولوجيا، والمشروبات الكحولية، بل تجد كل أصناف المنتجات الموردة من مختلف الدول والتي من بينها دول الاتحاد الأوروبي، و دول جنوب شرق آسيا، والمكسيك، وكندا، والصين، واليابان، وكوريا الجنوبية، وتركيا، ودول الشرق الاوسط الأوسط، وحتى بعض الدول الأفريقية جنوب الصحراء .
هذا يعني أن الولايات المتحدة تعتمد بشكل كبير على الاستيراد من العالم الخارجي، والميزان التجاري دائما ليس في صالحها، بالرغم من أن حجم الاقتصاد الأمريكي يمثل حوالي 26 % نسبة إلى الاقتصاد العالمي، ويرجع هذا الوضع لأسباب اقتصادية صرفة .
وبالرغم من ذلك تفاجئ الولايات المتحدة العالم بفرض رسوم جمركية تتراوح بين 10% و 50٪ على الواردات من أكثر من 200 دولة .
ويرجع تفوق الميزان التجاري الإجمالي للدول المصدرة إلى الولايات المتحدة، أو من ناحية أخرى العجز في الميزان التجاري الأمريكي، إلى ما تتمتع به هذه الدول من مزايا نسبية نتيجة لرخص منتجاتها وجودتها وانخفاض تكاليف انتاجها، بما في ذلك رخص تكاليف الأيدي العاملة بها، مقارنة بتكاليف إنتاج بدائلها في الولايات المتحدة الأمريكية .
وقد بلغ عجز الميزان التجاري للولايات المتحدة في مطلع عام 2025 حوالي 103.5 مليار دولار أمريكي ( لا اتحدث عن العجز التراكمي ) مما آثار مخاوف الادارة الأمريكية عندما أعتبر حجم العجز قد وصل إلى مستوىً غير مسبوق .
والجدير بالذكر، عملياً، في مقابل العجز في الميزان التجاري الأمريكي، تطبع الخزانة الأمريكية وتضخ نفس القيمة من الدولارات في الأسواق العالمية ( 103.5 مليار دولار خلال عام 2024 ) سداداً لقيمة مديونيتها الخارجية المترتبة على عجز ميزانها التجاري مع مختلف الدول، وهي الآلية التي تتبعها الولايات المتحدة عبر تاريخها منذ أن صار الدولار الأمريكي عملة احتياطية، والتي تم بموجبها هيمنة الدولار الأمريكي على الاقتصاد العالمي .
بمعنى آخر الولايات المتحدة الأمريكية دائماً في حالة عجز في مواجهة العالم الخارجي وذلك حتى تستمر هيمنة الدولار على الاقتصاد العالمي، حيث تستورد الولايات المتحدة مختلف السلع والمنتجات من مختلف الدول وفي المقابل تطبع دولارات ( لا غطاء لها ) وتدفع بها إلى مختلف الدول، وهذا يعني أن أية اجراءات تتخذها الولايات المتحدة للحد من الوردات بغية تقليص العجز في الميزان التجاري الأمريكي ستكون على حساب قوة ومكانة وانتشار الدولار وهيمنته على المدفوعات الدولية .
وهو الأمر الذي تحاول الإدارة الأمريكية تجاهله حاليا بحسبان أن وضع الاقتصاد العالمي لازال غير مهيأ للاستغناء عن الدولار كعملة احتياطية ولتسوية المعاملات التجارية الدولية أو استبداله بعملة دولية جديدة، مثلاً الإيوان الرقمي الذي تسعى الصين إلى الترويج له واعتماده، بالإضافة إلى ما تسعى إليه مجموعة البركست من طرح عملة دولية جديدة في مواجهة الدولار الأمريكي الذي صار يشكل أداة لتهديد الدول سياسياً واقتصادياً .
ومن الناحية الاقتصادية الفنية لا أعتقد أنه يخفى على السلطات الأمريكية أن إعلان حرب جمركية على مختلف دول العالم يعتبر سلاح ذو حدين؛ فعلاوة على ردود أفعال الدول التي تواجه صادراتها إلى الولايات المتحدة رسوم جمركية عالية للحد من دخولها إلى أسواق الولايات المتحدة ( أو مايعرف بالأثر الحمائي الذي تستهدفه الحكومة الأمريكية ) تلجأ هذه الدول، في المقابل، إلى فرض رسوم جمركية مرتفعة على المنتجات الأمريكية المستوردة في هذه الدول، مما يحد منها ( أي الحد من الواردات القادمة من الأسواق الأمريكية ) ومن تم انخفاض حصيلة الصادرات الأمريكية إلى مختلف الدول، فضلا عن تعرض بعض الصناعات والنشاطات الاقتصادية الصغيرة والنشاط الزراعي في أمريكيا التي تعتمد بشكل كبير على مدخلات مستوردة، لارتفاع تكاليف نشاطها، و لمشاكل تشغيل قد تؤدي بها إلى الإغلاق والخروج من السوق، وهذه هي النتيجة المتوقعة لما يعرف بالحرب التجارية التي لا تعيرها الإدارة الأمريكية الحالية أية اهتمام، وتكرس اهتمامها بالصناعات والنشاطات الرأسمالية الضخمة مثل صناعة السيارات والصناعات الحربية وتنمية إيرادات الخزانة الأمريكية .
وتكون نتيجة هذه الحرب التجارية تضرر كافة الأطراف دون استثناء مع اختلاف حدة الضرر من دولة إلى أخرى، وستكون نتائجها المتوقعة بالنسبة للولايات المتحدة ارتفاع أسعار السلع المستوردة في الأسواق الأمريكية، مما يزيد من حدة التضخم، ويعرض الاقتصاد الأمريكي إلى ركود تضخمي .
كما أنه في الوقت الذي تؤدي هذه الرسوم الجمركية المفروضة إلى زيادة حصيلة إيرادات الخزانة الأمريكية من الرسوم الجمركية، من جهة، تؤدي في ذات الوقت إلى إعادة توزيع الدخل لصالح الموردين لتلك السلع الاستهلاكية على حساب فائض المستهلكين الأمريكيين ( أثر إعادة التوزيع ) من جهة أخرى، عندما تعكس قيمة الرسوم الجمركية في أسعار السلع في الأسواق الأمريكية، وهو الأمر الذي قد يواجه بمعارضة كبيرة في الأوساط الأمريكية .
وهذا يعني أن قدرة الولايات المتحدة على فرض سياساتها وهيمنتها على التجارة الدولية ليست غير محدودة، بل تحفها جملة من العوامل والمخاطر التي قد تهدد واقع ومستقبل الاقتصاد الأمريكي ومكانة الدولار في الاقتصاد العالمي .
ولذلك من المتوقع تراجع الإدارة الأمريكية عن الاستمرار في هذه الحرب الجمركية المعلنة على الاقتصاد العالمي وقد تتدخل السلطات التشريعية ( الكونجرس ) لإلغائها، تفاديا لدخول الاقتصاد الأمريكي في حالة الركود التضخمي .
أمّا بالنسبة للآثار المتوقعة على دولة ليبيا، باعتبارها إحدى الدول المستهدفة بفرض الرسوم الجمركية الأمريكية على صادراتها إلى أمريكيا، نجد أن السلعة الرئسية التي تصدرها ليبيا إلى الولايات المتحدة الأمريكية هي النفط الخام، التي تشير بعض الاحصائات إلى أن قيمة هذه الصادرات منه في حدود 1.57 مليار دولار خلال عام 2024، ولا تتجاوز أهميتها النسبية 10% من اجمالى الصادرات في افضل أوضاعها، وفي المتوسط لاتتجاوز 7% من إجمالي الصادرات النفطية .
غير أن صادرات النفط الخام الليبي والغاز لن تخضع للرسوم الجمركية التي فرضتها حكومة ترامب مؤخراً، حيث تم استثناء واردات النفط والغاز والمنتجات النفطية من هذه الرسوم الجمركية من مختلف دول العالم باستثناء الدول التي تخضع لعقوبات أمريكية، مما يقلل من أهمية تأثير هذه الإجراءات على الاقتصاد الليبي .
بمعنى آخر ، بالنظر إلى استثناء الصادرات النفطية من هذه الرسوم الجمركية، وتدني الأهمية النسبية لصادرات ليبيا غير النفطية الى الولايات المتحدة الأمريكية نسبة إلى إجمالي الصادرات، والتي قد تتعرض لرسوم جمركية بنسبة 30٪ ، لن يكون لهذه الرسوم الجمركية أثراً يذكر على الميزان التجاري الليبي .
كما أن أي إجراء قد تقوم به السلطات الليبية، في شكل رد فعل، كفرض رسوم جمركية عالية على الواردات من الولايات المتحدة، والتي لا تتجاوز نسبتها 3٪ من إجمالي الواردات، لن يكون له اثراً يذكر على الاقتصاد الليبي غير ارتفاع أسعار هذه المنتجات بالسوق الليبية .
الأثر المتوقع على الاقتصاد الليبي نتيجة للإجراءات التي اتخذتها الإدارة الامريكية بفرض رسوم جمركية على وارداتها من العديد من الدول بما فيها دول الاتحاد الأوروبي والصين واليابان، وكوريا وتركيا، سيكون أثراً غير مباشرٍ، وذلك من خلال ما سيطرا من ارتفاع في أسعار السلع المنتجة في تلك الدول الأخرى التي تستورد ليبيا منها بشكل معتاد، و تخضع صادراتها إلى أمريكيا للتعريفة الجمركية الجديدة، أو عندما تقوم هذه الدول برفع الرسوم الجمركية على المنتجات الأمريكية التي تستوردها، كرد فعل على الإجراءات التي اتخذتها الولايات المتحدة الأمريكية، مثل دول الاتحاد الأوروبي التي تمثل الشريك التجاري الأكبر لليبيا .
كما قد تشهد إمدادات السلع تعثراً يلقي بضلاله على السوق الليبية نظراً لاعتماد ليبيا على الواردات بشكل كبير لتلبية احتياجات السوق المحلية .
بالإضافة إلى ما قد يتعرض له سعر صرف الدولار الأمريكي من انخفاض في الأسواق المالية نتيجة لانخفاض الطلب على المنتجات الأمريكية، مما يؤثر سلباً على قيمة الأصول الليبية المقومة بالدولار الأمريكي، بما في ذلك احتياطيات المصرف المركزي .
إن التوقعات بتعرض الاقتصاد العالمي لركود تضخمي نتيجة للحرب التجارية العالمية التي أعلنتها الحكومة الأمريكية في مواجهة الصين وعدد كبير من الاقتصادات، والعودة إلى الإجراءات الحمائية المتبادلة التي عفى عنها الزمن، بعد قيام منظمة التجارة العالمية واتفاقياتها، سوف يودي إلى انخفاض الطلب العالمي على النفط، وانخفاض أسعاره، وهو الأمر الأشد خطورة على الاقتصاد الليبي والذي يجب أن يتم التركيز عليه ومواجهته .