Skip to main content
"البوري": أن تزيد الدولة راتبك ثم تترك قيمة الدينار تتآكل هو أن تعطيك بيد وتأخذ منك باليد الأخرى.. وربما أكثر مما أعطتك
|

“البوري”: أن تزيد الدولة راتبك ثم تترك قيمة الدينار تتآكل هو أن تعطيك بيد وتأخذ منك باليد الأخرى.. وربما أكثر مما أعطتك

كتب الخبير المصرفي “نعمان البوري” مقالاً قال خلاله:

ما فائدة راتب أعلى إذا أصبحت فاتورة الغذاء والدواء والسكن والتعليم تلتهمه أسرع من قبل؟

الراتب يُقاس بما يشتريه، لا بعدد الدنانير المكتوبة في كشف المرتبات. فإذا ارتفع راتبك بنسبة 20%، وارتفعت تكلفة سلة معيشتك بنسبة 30%، فإن قدرتك الشرائية تنخفض بنحو 8%، رغم أنك تستلم مبلغًا أكبر.

أنت لم تصبح أغنى… أصبح احتياجك إلى الدنانير أكبر.

في ليبيا، لا يمكن فصل الحديث عن المرتبات عن الإنفاق العام والإيرادات النفطية وسعر الصرف. فاقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد يحتاج إلى نقد أجنبي لتوفير معظم ما يستهلكه المواطن.

وحين تزيد الدولة فاتورة المرتبات دون إيرادات مستدامة تغطيها، فإن السؤال الذي يجب أن يُطرح هو: من أين ستُدفع هذه الزيادة؟

إذا مُوِّلت بإعادة ترتيب الإنفاق ووقف الهدر وتوفير موارد حقيقية، فقد تكون قابلة للاستمرار. أما إذا مُوِّلت بعجز متفاقم وضخ مزيد من النقود، فإنها تضيف طلبًا جديدًا دون زيادة مقابلة في الإنتاج أو النقد الأجنبي.

تزداد الدنانير الباحثة عن السلع والدولارات، بينما لا تزيد الموارد بالقدر نفسه، وهنا يتصاعد الضغط على سعر الصرف والأسعار.

وعندما يتراجع الدينار، ترتفع تكلفة استيراد الغذاء والدواء والمعدات والمواد الخام. ثم تنتقل هذه التكلفة إلى النقل والإنتاج والخدمات، حتى المواطن الذي لا يشتري الدولار يدفع ثمن ارتفاعه في السوق.

وهكذا تبدأ الدوامة:

إنفاق أعلى، وعجز أكبر، وضغط على الدينار، وأسعار أعلى، ثم مطالب بزيادة جديدة في المرتبات، لنعود إلى المشكلة نفسها بتكلفة أكبر.

والضرر لا يصيب الراتب وحده، فالمدخرات التي جمعها المواطن خلال سنوات تفقد جزءًا من قيمتها، وأصحاب المعاشات والدخول الثابتة يتحملون العبء، ومن لم يحصل على زيادة يدفع ثمن سياسة لم يستفد منها أصلًا.

التضخم يقتطع من جيب الجميع، لكنه يوجع الأقل دخلًا أكثر.

هذا ليس مبررًا لترك الموظف براتب لا يكفيه، بل مطالبة بأن تكون الزيادة حقيقية، ممولة وقابلة للاستمرار؛ وأن تحمي معيشته بدل أن تصبح وقودًا لموجة غلاء جديدة.

طالبوا بضبط الإنفاق العام ووقف الهدر والفساد، طالبوا بموازنة موحدة تكشف ما يدخل وما يُنفق، وبإصلاح الكادر الوظيفي قبل توسيع فاتورة المرتبات، وبحسن إدارة الإيرادات وتنمية الإنتاج.

فالحفاظ على قيمة الدينار لا يتحقق بالشعارات، ولا بقرار إداري لسعر الصرف وحده، بينما يستمر الإنفاق بلا ضوابط، يحتاج إلى سياسة مالية منضبطة وإدارة نقدية متسقة معها.

ليس إنجازًا أن ترفع الحكومة الرقم في كشف المرتبات، بينما تعجز عن حماية قيمته في السوق.

المواطن يحتاج إلى حياة أفضل، لا إلى أرقام أكبر على ورق.

مشاركة الخبر