Skip to main content
"الترهوني": مستوى معيشة المواطن الليبي والعام 2026
|

“الترهوني”: مستوى معيشة المواطن الليبي والعام 2026

كتب: الخبير في اقتصاديات النقل البحري د. عبد الله ونيس الترهوني

يعاني الليبيون ضنك العيش في شهر رمضان الفضيل، ومرد ذلك هو الأسعار الملتهبة للسلع (التضخم)، حيث وصل سعر طبق البيض لسبع وعشرون ديناراً، وسعر كيلو لحم البقر الوطني التسعون ديناراً للكيلو الواحد، في حين عاد زيت الطعام للظهور على أرفف المحلات بعد اقل من شهر من اختفائه التام وذلك بسبب إجراء حكومي لم يكن مبرراً من الأساس من جهة، وجشع التجار من جهة أخرى، ومع ذلك فإن سعر لتر زيت الطعام المستورد قد وصل الخمسة عشر دينارا، في حين ظل سعر الدولار الأمريكي يحوم حول عشر دنانير لكل دولار امريكي واحد، ودون انخفاض هذا الرقم فإن ثمن السلع المستوردة سيطل مرتفعاً هو الآخر.

أرى أن المشكلة في ليبيا تبدأ من المصرف المركزي ولا تنتهي عنده، فالمصرف المركزي هو من يدير السياسة النقدية ولا يتبع الحكومة بأي حال من الأحوال، وفي أحسن الأحوال يقوم المصرف المركزي الليبي باقراض الحكومة بضمان عوائد تصدير النفط والرسوم والعوائد السيادية ضرائب، جمارك استثمارات الخ) وهذا هو بيت القصيد الذي لا يدركه البعض.

لكي نلتمس أول خيوط الحل في أزمة المعيشة في ليبيا سأعود بكم للوراء وبالتحديد للعام 2020 عندما أشرت في مقال إلى أن المشكلة في ليبيا تكمن في عدم وضوح وتكامل السياسات، ما نتج عنها تضارب الآليات والبرامج وتداخل الاختصاصات، وبالتالي صارت جميع أجهزة الدولة تعمل في جزر منعزلة عن بعضها البعض، كما أن الانقسام السياسي منذ منتصف العام 2014 قد فاقم الازمة بل وزاد من حدتها عاماً عن عام، أضف إلى ذلك أن لجنة السياسات بمجلس الوزراء الموحد وغير المنقسم لم تنعقد منذ 2010 وفي قادم الأسطر سأركز على السياسات النقدية كونها أهم أسباب أزمة المعيشة في دولة ليبيا اليوم.

إننا نعني بالسياسات النقدية هو عملية استخدام مجموعة من الأدوات والسياسات الهادفة إلى التأثير على المعروض النقدي بشكل خاص واحتواء التضخم والأداء الاقتصادي بشكل عام، ويختص البنك المركزي برسم وتنفيذ السياسة النقدية، وتهدف السياسة النقدية لتحقيق معدلات نمو عالية وتحقيق استقرار سعر النقد وخلق توازن في ميزان المدفوعات، ولتحقيق ذلك تستخدم السياسة النقدية أدوات منها ما هو تدخل عام ويشمل سياسة التدخل في الأسواق النقدية، والاحتياطات الالزامية، ومنها ماهو تدخل مباشر سياسات مباشرة كوضع إطار عام للائتمان تأطير الائتمان)، وبالتالي فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو أين المصرف المركزي الليبي من كل هذا؟.

تشمل السياسات النقدية أيضاً إدارة السيولة المحلية عرض النقود، والاستقرار النقدي، وقياس وإدارة معدلات التضخم، وإدارة سعر صرف العملة المحلية مقابل العملات الأجنبية، وإدارة الإحتياطي النقدي المتاح لدى البنك المركزي، ولابد أن تتماشى السياسة النقدية مع السياسة المالية وليس العكس السياسة المالية هي أوجه الاتفاق الحكومي الذي يتم عن طريق وزارة المالية، وبحسب إحصائية رسمية لمصرف ليبيا المركزي فقد قفزت كمية المعروض من النقود الى أعلى مستوى لها على الاطلاق بنهاية العام 2025 وعند 190 مليار دينار ليبي، وهذا الرقم أكبر من قدرة الاقتصاد الليبي، وأنه كافي لابتلاع أي كمية من الدولارات يتم ضخها في السوق، وبالتالي استمرار ارتفاع سعر الدولار في السوق الموازي بمرور الوقت، وفي مقابل ذلك نجح مصرف ليبيا المركزي نجاحاً يتيماً في جعل الليبيون يتحولون الى استعمال وسائل الدفع الالكتروني بدلاً من استعمال الكاش (إدارة النقود).

من جانبه، يرى الدكتور محمد ابو سنينة أن أخطر ما يهدد الاقتصاد الليبي الليبي ويزيد من معدلات الفقر ويضرب القوة الشرائية للدينار هو التضخم أي الارتفاع الكبير والمستمر في اسعار السلع والخدمات، وقد بدأت مؤشراته في الظهور، ولن يتوقف طالما تم الإبقاء على نفس سياسات وإجراءات المصرف المركزي ومازاد الطين بلة هو اعتماد شركات صرافة لبيع الدولار الأمريكي، والذي يعني وبكل صراحة إقرار أسعار متعددة للدولار الأمريكي وإقرار صريح من الدولة بشرعية السوق السوداء الجدير بالذكر أن مصرف ليبيا المركزي لم يستخدم من ادواته الا أداة واحدة منذ العام 2018 الا وهي سعر الصرف، وأضاف بوسنينة أن الاستمرار في طباعة العملة الورقية ، مع ضعف الثقة في القطاع المصرفي ، بذريعة حل مشكلة السيولة، في ظل انقلات الإنفاق العام: يشكل سياق يقوض أي سياسة نقدية ناجعة لتحقيق الاستقرار في المستوى العام للأسعار، ويطلق العنان للتضخم الجامح أما السياسة التجارية والتي ترسمها وزارة الاقتصاد وتنفذها بالتعاون مع وزارة المالية والمصرف المركزي، ونعني بالسياسة التجارية جميع الأدوات والاجراءات التي تتخذها الدولة في نطاق تعاملها الخارجي لتحقيق اهدافها الاقتصادية وذلك من خلال الحد من الواردات و تشجيع الصادرات، وجذب رؤوس الأموال الخارجية للاستثمار في داخل البلد والإعانات…. الخ، ومن بين عدد من آليات وأساليب، وأنظمة السياسة التجارية على سبيل الذكر لا الحصر نظام الحمائية التجارية، والتعريفة الجمركية وهي نوع من الأساليب السعرية، ونظام الحصص وهو نوع من الأساليب الكمية، ونظام الإعانات للمنتجات المحلية، بالإضافة إلى الأساليب الإدارية المتعلقة بمنح تراخيص الاستيراد.

لقد شهدنا على مدى خمس سنوات تخبطاً كبيراً في السياسة التجارية لدولة ليبيا لعل آخرها هو تسعير جبري لسلعة زيت الطعام قبل أن يتم تدارك ذلك ليعود زيت الطعام الى ارفف المحلات ولكن بسعر اغلى مما كان عليه قبل تحديد سعره، وكان الاجدر بوزارة الاقتصاد فرض إحلال توفير السلع الأجنبية (بسلع محلية يكون الموردين الحاليين) هم أساسها بالأخص توطين صناعتي تكرير الزيوت النباتية ومعاجين الطماطم)، وقبل ساعات من هذا التدارك انتشر خبر عبر منصات التواصل الاجتماعي مفاده اتفاق بين المصرف المركزي والتجار لاستيراد 2.5 مليون صندوق زيت بمبلغ 100 مليون دولار، واذا صح هذا الخبر فإن المصرف المركزي قد صار (يدير سياستين اقتصاديتن في نفس الوقت النقدية والتجارية)، والأنكى من كل هذا هو اختصار معاناة الليبيين اليومية في زيت الطعام فقط.

عود على بدء أرى أن المشكلة الاقتصادية في ليبيا هي بسبب الربع والذي نتج عنه وجود قنوات متعددة الصرف المنفلت وغير المنضبط وغياب قانون ميزانية صادر عن السلطة التشريعية يوضح مصادر الإيراد وقيمتها واوجه الاتفاق، بالإضافة لطباعة عملة محلية بعشوائية واكبر من حجم الاقتصاد الفعلي، وغياب النموذج الاقتصادي للدولة، مع ظهور أعراض التضخم الجامع الذي قد يخرج عن السيطرة، ومن جانبه يرى الدكتور محمد الشحاتي أن ليبيا لن تخرج من أزمتها المالية خلال العام الجاري إلا بالاستدانة، والذي يكون من الاحتياطي العام بالمصرف المركزي او من السوق المحلي (المصارف التجارية)، فالاستدانة الدولارية من السوق المحلي ستمنع الاستدانة الخارجية وتفيد المستثمر المحلي بدلا من المستثمر الخارجي.

ختاماً، إن الاكتفاء بردات الفعل أو علاج الاعراض فقط وتجاهل أساس المشكلة سيأتي بنتائج فورية ثم ما يلبث أن يعمق المشكلة الأصلية، وبالتالي وجب أن تكون المعالجات جذرية، والذي يتم من خلال إصدار قانون ميزانية واحدة معتمدة لا تتعدى الدخل القومي، ولا تتجاوز الطاقة الاستيعابية للاقتصاد، وضرورة الحد من الإنفاق المفرط، والتوقف فوراً عن طباعة النقود وضخها في السوق، وحصر بيع الدولار الأمريكي من خلال المصارف التجارية وتقليل الفجوة السعرية له تدريجياً.

مشاركة الخبر