Skip to main content
الترهوني "كيف نعيد بناء ليبيا بالاستعانة بتجارب دول سبقتنا .. مقارنة بين نهضتي ألمانيا وسنغافورة"
|

الترهوني “كيف نعيد بناء ليبيا بالاستعانة بتجارب دول سبقتنا .. مقارنة بين نهضتي ألمانيا وسنغافورة”


كتب: د. عبد الله ونيس الترهوني – أخصائي اقتصاديات النقل

قبل أقل من تسع سنوات من الآن حصل تغيير في ليبيا هو الثاني منذ إعلان الاستقلال ، وقد دفع الفقراء والبسطاء من أبناء ليبيا في طول البلاد وعرضها ثمن التغييرات، وقد رأيت ومن زاويتي المفضلة وهي الاقتصادية أن أستذكر معكم أمماً عاشت بؤساً أكثرمن ليبيا مثل ألمانيا، ودولاً أنشأت من العدم مثل سنغافورة، لعل فيها عبرة لأولي الألباب من أبناء بلدي.

إن المقارنة صعبة جداً بين أمة قديمة تقع في شمال غرب القارة العجوز مثل ألمانيا وبين دولة ناشئة في الشرق مثل سنغافورة ، أي بين دولة صناعية وبين مدينة لا تمتلك أي مقومات أو موارد ولا حتى مياه للشرب، وبالمختصر المفيد فإنه لا يوجد أي قاسم مشترك بينهما من الجانب النظري على الأقل ، ولكنني تعمقت من جانبين (وجهين) اثنين لأستخلص لكم شيئاً لعله يكون مفيداً لعموم الليبيين لكي يلتفتوا على الأقل إلى بلادهم ويعيدوا بنائها ، ولكن ليس قبل أن يتركوا خصوماتهم جانباً.

قبل أزيَد من سبعين عاماً من اليوم لم يكن يوجد شئ اسمه دولة سنغافورة على الإطلاق بل أنها كانت مجرد مدينة تتبع دولة ماليزيا، في حين كانت ألمانيا الدولة الكبرى عبارة عن أطلال، وفي مقابل ذلك وفي يومنا الحاضر لا يمكننا الحديث عن الرفاهية و GDP أو معاييرالتنمية البشرية والتعليم أو حرية التجول عبر العالم بدون تأشيرة أو الشفافية أو انعدام الفساد…..إلخ أو أي مؤشر إيجابي يخطر ببالك إلا ولابد أن نذكر ألمانيا وسنغافورة ضمن باقة الدول الرائدة والمتقدمة.

أوجه الشبه:

بقراءة بسيطة للتاريخ فإن ألمانيا (والدول الناطقة بالألمانية) كانت سباقة في كل حضارات القارة العجوز عبر التاريخ ، في حين أن سنغافورة هي مدينة لفظتها البلد الأم ماليزيا منتصف القرن العشرين ، بل أنها تفتقر لأبسط مقومات الحياة وهي مياه الشرب ، وبالتالي فان أوجه الشبه صعبة ومعدودة مقارنةً بأوجه الاختلاف الكثيرة بين النهضتين، ونوجز التشابه في الآتي:

أولاً : استسلمت ألمانيا للحلفاء عام 1945 وكانت حطام دولة ، والشعب كله كان في حالة إحباط وانهيار تام ، أي أن الأمة الألمانية قد خسرت الحرب مجتمعة ، أما سنغافورة فهي مدينة مختلطة الأعراق تحررت للتو من الاستعمار، ولا تمتلك اي موارد على الاطلاق ويسودها الفساد واراضيها على قلتها كانت مستنقعات، اي ان الشعب بائس وفقيرفي المجمل ، وهذا هو القاسم الاول بينهما وهو ان الشعب متساوي في المعاناة وبالتالي فقد ولدت النهضة من رحم المعاناة.

ثانياً : كلتا الدولتان استفادت من محيطها : فسنغافورة نهضت بفعل دعم الاجانب لها وبالاخص الجارة استراليا التي ساعدتها كثيراً ، كما ان قربها من مناطق الانتاج في اليابان والصين وكوريا جعلها مركز خدمات لوجستي عالمي بامتياز، في حين ان المانيا كابدت لتكفرعن ذنبها في الحرب العالمية الثانية ، ولكنها في النهاية انصهرت في المجتمع الاوروبي فكونت الاتحاد الاوروبي مع باقي الاعضاء ، وصارت القوة الاقتصادية الاولى في اوروبا والثالثة في العالم.

ثالثاً : كلتا الدولتيْن اعتمدت في نهضتها على التعليم وبالاخص التقني الذي كان اساس النهضة الصناعية في كثير من دول العالم ، وان كلتا الدولتيْن توليان الشركات والمشاريع الصغيرة اهتمام متزايد ، ثم ان رجال الاعمال ظهروا في فترة لاحقة من بداية كل نهضة ، كما أنه لم تكن هناك اي بروباقاندا او زخم اعلامي مصاحب لانطلاق كلتا النهضتان.
رابعاً : في يومنا الحاضر: الجواز الالماني هو الثاني في العالم ، ولحامله ان يسافر به الى 158 دولة بدون تأشيرة، اما الجواز السنغافوري فيتيح لحامله السفر الى 159 دولة وهو بذلك يحتل الترتيب الاول عالمياً.

خامساً : كلتا الدولتين من بين اقوى دول العالم في امتلاك اساطيل الطيران والسفن التجارية , فشركتي خطوط سنغافورة الجوية ولوفتهانزا اشهر من نارعلى علم ، والالمان والسنغافوريين من بين اكبر الملاك للسفن في العالم ، ضف على ذلك ان ميناء سنغافورة هو المركز اللوجستي الثاني في العالم ، والاول في تجارة العبورعالمياً ، وان ميناء هامبورغ يعد الثاني في اوروبا ، ومن بين أهم 15 ميناء حاويات في العالم.

سادساً وأخيراً : بمنظور معيار الدخل القومي فان دخل الفرد في سنغافورة هو الثالث عالمياً والمانيا هو الخامس عالمياً، اما بمعيار الرفاهية فالمانيا هي الثالثة على اوروبا، وسنغافورة الاولى في اسيا.

أوجه الاختلاف:

على الرغم من النهضة التي تعيشها كلتا الدولتين الا ان اوجه الاختلاف بينهما متعددة ، نذكر منها :

1- الالمان من اقل الشعوب انتاجية (ساعات عمل اقل) ولكنه في المقابل من بين الاكثر فاعلية ، اما سنغافورة فهي اقل من الالمان في الفاعلية رغم أن ساعات العمل بها أطول.

2- المانيا كانت امة عريقة وخاضت الحرب العالمية الثانية طوعاً ، اما سنغافورة فهي كالطفل المنبوذ وقد ولدت من رحم البلد الام ماليزيا.

3- تعتمد المانيا على الاقتصاد الاصيل (الصناعة) اما سنغافورة فتعتمد على الاقتصاد البديل (الخدمات) ، وعلامة made in Germany هي اقوى علامة تجارية في العالم وهي تسبق الولايات المتحدة واليابان في ذلك .

4- الالمان عرق واحد والشعب اغلبه نساء وأطفال وشيوخ عشية انتهاء الحرب العالمية الثانية، وقد إنتشرت بينهم فكرة الإنتحار، ضف على ذلك وجود خمسة مليون معتقل ألماني في سيبريا وقت الحرب العالمية الثانية، بالاضافة الى أن أغلب منازل ومدن ألمانيا قد تم تسويتها بالأرض ، والادهى من ذلك أن قوات الحلفاء حملت معها المصانع والآلات الالمانية ، ثم أجهزت على البُنية التحتية لالمانيا بشكل كامل ، أما سنغافورة فكانت عشية الاستقلال شعب متعدد الاعراق يسوده الفساد ويجمعه الجوع والعطش وارضه رغم صغرها فاغلبها كانت مستنقعات.

5- خلال الفترة بين العام 1945وحتى العام 1955 ظهرت في المانيا فكرة النهوض من القاع ، وقد كانت فكرة جماعية وفي غياب تام للحكومة ، فبدأت النساء والشيوخ بجمع الأنقاض لإعادة بناء البيوت وجمع الأوراق والكتب من تحت الأنقاض لفتح المدارس والمستشفيات ، وكتبوا على بقايا الجدران المحطمة شعارات تبث الأمل وتحث على العمل : (لا تنتظر حقك .. إفعل ما تستطيع .. إزرع الأمل قبل القمح) ، فالالمان امة ضارية في التاريخ ومتعلمة وماكان يتقصها الا الانطلاق في اعادة الاعمار ، وبالتالي لا احد من الالمان ينسب النهضة التي تعيشها الان لشخصه ، في حين أن سنغافورة كانت بدايتها موفقة لانها بدأت بالانسان أي بدأت بالتنمية البشرية والتعليم ولم تسارع الى العمران، فهيأت العقول التي تشيد العمران وتبني البلاد ، وقد تحمل باني نهضة سنغافورة لي كوان يو على كاهله إطلاق ومتابعة البرنامج التنموي المتكامل لسنغافورة.

6- كانت النتائج سريعة ورائعة : فالمانيا التي اطلقت برامج اعادة الاعمار على مدار 10 سنوات توجتها بفوز فريقها بكأس العالم في العام 1954، والطريف أن أصابع أقدام اللاعبين كانت تخرج من أحذيتهم المهترئة اثناء المباريات ، ومن المفارقات الغريبة أن شركة اديداس الالمانية اليوم هي الشركة الاولى في العالم في انتاج الاحذية والملابس الرياضية، وبالمثل انطلقت سنغافورة في عمل دؤوب ومستمر وشرعت في توسيع مينائها لتجهيزه كمركز لوجستي عالمي ، بالاضافة إلى شق الطرق وتوسيع المطار.

7- خلال الفترة بين العام 1955 وحتى العام 1965 ، بدأت في المانيا مرحلة بناء المصانع ، حيث تم جلب عُمّال أتراك ساهموا في حفر الانفاق وشقوا الطرق بالاضافة الى بناء المصانع ، وفي المقابل استمرت سنغافورة في تطويرالتعليم والرفع من مستوى معيشة المواطن.

8- خلال الفترة بين العام 1965وحتى العام 1975 ، ظهرت في المانيا رؤوس الأموال و رجال الأعمال، وتكفّل كل رجل أعمال بـ خمسين شاباً يُدربهم ويُعلمهم .. وكانت مهمة الإعلام بث الأمل ورفع الروح المعنوية فقط ، وفي هذه الفترة توجه الاقتصاد السنغافوري إلى اقتصاد الخدمات ، فتم الرفع من مستوى الخدمات الصحية والتوجه نحو اقتصاد المعرفة وبمساعدة وسائل الاعلام أيضاً، وبدأ ظهور الاغنياء ورجال الاعمال.

9- في الفترة الممتدة من الثمانينات وحتى اليوم والتي اشرت فكلاهما يعيش نهضة كبيرة اشرت الى اغلب ملامحها في صدر هذه المقالة.

إن الخُلاصة من سرد هذا الموضوع وفي هذا الوقت بالذات هو أن نتعلم أن النهوض لا يتم إلا في وجود إرادة حقيقية ، وأن الموارد قد لا تعني شيئا في ظل وجود إرادة حقيقية وروح وطنية ، وفي كل الأحوال فحالنا في ليبيا اليوم بالتأكيد هو أفضل من سنغافورة عشية استقلالها ، وبؤسنا اليوم هو أقل من بؤس الألمان الذين نبذهم الجميع غداة انتهاء الحرب العالمية الثانية.

أختم بالقول: أليس بإمكاننا النهوض ونحن نملك كل الإمكانيات : فنحن شعب واحد وقليل العدد، وعلى دين واحد، ونمتلك موارد متنوعة نُحسد عليها، كل هذا مع احتلالنا لموقع جغرافي مميز جداً في قلب العالم ؟

اللهم إني بلغت فأشهد….!

الترهوني "كيف نعيد بناء ليبيا بالاستعانة بتجارب دول سبقتنا .. مقارنة بين نهضتي ألمانيا وسنغافورة"
مشاركة الخبر