Skip to main content
"الحاراتي" بين منطق المصالح وميزان الدولة
|

“الحاراتي” بين منطق المصالح وميزان الدولة

كتب: “المستشار القانوني “هشام الحاراتي” مقالاً

في العلاقات الدولية، الاقتصاد والسياسة ليسا مسارين منفصلين، بل وجهان لعملة واحدة عنوانها الأوضح، مصالح الدول لا تُقاس بخطابها، بل بقدرتها على إدارة التوازنات، وتحويل التعقيد السياسي إلى فرص اقتصادية تخدم الاستقرار والتنمية.

من هذا المنطلق، فإن الحديث عن جذب استثمارات نفطية تُقدّر بنحو 22.7 مليار دولار في مطلع سنة واحدة، داخل دولة تمر بمرحلة انتقالية وهشاشة تفاوضية مثل ليبيا، لا يمكن توصيفه بخفة أو اختزاله في صراع سياسي، بل هو من حيث المبدأ رقم غير مسبوق لم تشهده البلاد منذ أكثر من 15 عاما، ويستوجب قراءة قانونية ومالية عميقة لا أحكاما مسبقة.

نعم، يُحسب هذا التحرك للحكومة القائمة، بغض النظر عن اختلاف البعض معها، لكن الحكم على جودة الصفقة لا يكون بالانطباع ولا بالاصطفاف، بل عبر أسئلة معيارية مشروعة، أهمها:
• ما نسبة الشريك الأجنبي في كل اتفاق؟
• ما طبيعة اتفاقيات المشاركة (EPSA) أو غيرها؟
• كيف وُزعت المخاطر والعوائد؟
إن غياب هذه التفاصيل عن الرأي العام يجعل أي حكم قاطع إيجابا أو سلبا حكما متعجلا، خصوصا في ظل وضع تفاوضي هش للدولة الليبية، حيث تكون شروط الجذب أحيانا أقل مثالية مقابل تحقيق اختراق استثماري.

من زاوية الاقتصاد السياسي، فإن دخول شركات أمريكية وفرنسية بهذا الحجم من الاستثمار لا يقتصر أثره على الإنتاج النفطي فقط، بل يمتد إلى خلق مصلحة دولية مباشرة في الاستقرار الأمني داخل ليبيا، وتقليل احتمالات الانزلاق إلى صراع واسع، لأن الحرب لا تخدم الدول التي ضخت أموالا بهذا الحجم، بالإضافة إلى إعادة إدراج ليبيا ضمن دوائر الاهتمام الاقتصادي لا فقط الأمني.

ومع ذلك، تبقى كل هذه القراءات نظرية ما لم تُترجم إلى نتائج ملموسة، فالاختبار الحقيقي لأي صفقة نفطية أو استثمارية يبدأ من حجم الإيرادات الفعلية من العملة الصعبة المحالة إلى المصرف المركزي، وأثر ذلك على سعر صرف الدينار الليبي.

ثم مدى انعكاسه المباشر على تخفيف الأعباء المعيشية للمواطن، إن تحققت هذه السلسلة، فنحن أمام خطوة استراتيجية كبرى، تتجاوز الحكومات والأشخاص، أما إن غابت النتائج، وبقي الأثر محصورا في البيانات والصور، فحينها يصبح ما جرى مجرد شو إعلامي لا يسمن ولا يغني من جوع.

وعليه، فإن السلطة زائلة، والمناصب عابرة، لكن ما يبقى هو الأثر، والحكمة ليست في سرعة الحكم، بل في انتظار المؤشرات، فالأرقام وحدها لا تكذب.

مشاركة الخبر