| مقالات اقتصادية
الزنتوتي: اقتصادنا ينهار أمام إصرار النخب السياسية والتشريعية والتنفيذية على استمرارهم في الكراسي وصراعهم على السلطة
كتب المحلل المالي “خالد الزنتوتي”: اقتصادنا ينهار أمام إصرار النخب السياسية والتشريعية والتنفيذية على استمرارهم في الكراسي وصراعهم على السلطة!!!!
كثيرًا من وجهات النظر التي تقول بأن الاقتصاد هو محرك السياسة، وفي المقابل نجد وجهات النظر الأخرى التي تقول بأن السياسة هي محرك الاقتصاد، وبغض النظر عن الأطر والمطارحات الفكرية لمناقشة ذلك، فإن المهم هو تشخيص الحالة الليبية من خلال معطياتها السياسية والاقتصادية.
ففي حالتنا الليبية من الواضح أن تراكم مشاكلنا الاقتصادية جاء نتيجة لتخبط سياسي مزمن له معطياته المصلحية والإيديولوجية والجهوية.
مصلحية تقوم على حساب مصلحة الشعب لصالح فرد أو أفراد محددين، وجهوية مستندة على مبدأ حصتي وحصتك واستخدام القبيلة والمناطقية كحصان طروادة للوصول إلى الثروة والالتصاق بالكراسي، وإيديولوجية من خلال محاولة بعض (من أصحاب الإيديولوجيات ومن يسمون أنفسهم أحزاب) السيطرة على أجهزة الدولة ومواردها!!!
كل تلك المعطيات هي واقع معاش نعيشه كل يوم، فمجلس الدولة (وهنا أستثني البعض) له أكثر من عقد وثلث من الزمن يتمتع أعضاؤه بمزايا ومرتبات لم تكن حتى في أحلامهم، ناهيك عن الاعتمادات والتعيينات والتهريبات والعقود، إلخ (ولا أعمم)، فكيف تتوقع منهم أن يتركوا هذا المغنم؟ بل وجب عليهم الدفاع عن استمراره واعتباره دعامة لا يمكن التنازل عنها، فكيف نطلب منهم التنازل عن عرشهم؟ لا بد لهم من المحافظة على كيانهم بشتى الطرق، ولذا فإن استمرار الأزمة السياسية وعدم الاتفاق يعني استمرارهم في مزاياهم ولو كانت على حساب مصلحة الوطن!!!
وهكذا مجلس النواب، ولهم حوالي (عقد وربع من الزمن) وهم ينعمون بالرفاه المادي المباشر وغير المباشر، كيف لهم أن يتركوا هذا النعيم؟ ولذا من مصلحتهم استمرار الأزمة السياسية، ولعلهم يعرفون بأن انتخاب مجلس نواب جديد سيسحب من تحتهم البساط، وخاصة أن منافسيهم الجدد سوف لن يعطوهم فرصة أخرى بعد أن عرفوا مزاياهم، لذا فهم باقون طالما بقيت الأزمة السياسية، ولا أعمم!!!
أصحاب المناصب السيادية كذلك من مصلحتهم استمرار الوضع السياسي كما هو عليه، لأنهم (ولا أعمم) لم يحلموا يومًا بأن يكونوا في هكذا مواقع سيادية وهم غير مؤهلين لها لا علميًا ولا خبرة، أيضًا لكي يبقوا في مناصبهم دخلوا في شراء الذمم والمشاركة في البيزنس مع الكثير من أعضاء المجالس التشريعية والأجهزة التنفيذية، وذلك مقابل حمايتهم الوظيفية، فهؤلاء أيضًا ليس من مصلحتهم الاستقرار السياسي.
والحال ينطبق على معظم الحكومات والوزراء (وهم كثر) وأصحاب الثروات الفاسدين والمهربين والسماسرة، إلخ، يهمهم جميعًا الإبقاء على الأزمة السياسية كما هي، لأنها هي البيئة المثالية الضامنة لاستمرارهم وحمايتهم!!!
من هنا، وفي حالتنا الليبية الراهنة، من الواضح أن الأزمة السياسية وعدم الاستقرار السياسي والأمني هو الذي خلق الأزمة الاقتصادية، أي أن المتغير المستقل عندنا هو السياسة والتابع هو الاقتصاد!!
نحن فعلًا في أزمة اقتصادية بكل ما تعنيه من متغيرات:
• انخفاض قيمة دينارنا لم يسبق له مثيل
• بطالة مقنعة من النسب الأعلى في العالم
• تضخم الوظائف الحكومية وبأعلى النسب في العالم
• إنتاجية محدودة إن لم تكن صفرية وسلبية ومن أسوأ النسب العالمية
• مقياس تنمية، الأسوأ في العالم
• مستويات تضخم لا يعلمها إلا الله
• نضوب الاحتياطي النقدي بنسب علمها عند الله، وخاصة ما يتعرض له المصرف المركزي الآن من ضغوطات غير مسبوقة لتغطية إنفاق حكومات وأجهزة بعشرات المليارات وفي إطار إعادة الإعمار وعودة الحياة وما شابههما
• إنفاق استهلاكي وعبث إداري لا مثيل له
• مستويات دين عام محلي بأعلى نسبة في العالم إلى إجمالي الناتج المحلي ولا نعرف أين ذهبت ومن أين أتى
• نسب فساد وتهريب لا يصدقها عقل
• عدم توريد حصيلة كل مبيعاتنا النفطية إلى حسابات المركزي وحسب صحيح القانون ولا نعرف أين ذهبت؟
• جهوية اقتصادية مقيتة تقوم على مبدأ حصتي وحصتك
• خلق وظائف هلامية ووهمية في سفارات هي ربما الأعلى عددًا والأكثر موظفين في العالم، ولعلها فاقت سفارات أمريكا، وكأننا نستعد لخطف (ترامب ومحاكمته في ليبيا!!!؟؟؟)
• حروب بين أبناء الوطن تقضي على المورد البشري جسميًا ومعنويًا
• إلخ، إلخ
إننا بهذه المؤشرات نتربع وبجدارة على أسوأ وضع اقتصادي يمكن أن تمر به بلد نفطي محدود السكان في عالمنا المعاصر، وراجعوا مؤشرات التنمية العالمية ومؤشرات الشفافية والفساد، إلخ، والمنشورة من قبل الهيئات الدولية.
لماذا كل هذا؟ لماذا يدفع الوطن فاتورة قاسية كقربان لمصالح بعض أفراد أو كيانات تنفيذية أو تشريعية أو إيديولوجية أو غيرها لا تريد أن تترك مناصبها ومزاياها، وذلك بمنحهم ما يشبع نهمهم السلطوي المادي الفاسد، وعلى حساب مصلحة وطن بأكمله؟ وأكرر، لا أعمم.
إنها لعبة، الاستمرار والتعمق في خلق الأزمات الأمنية والسياسية لهدف واحد وهو استمرارية البقاء في دهاليز المزايا والتهريب والسرقات، ولا أستبعد (وفي إطار نظرية المؤامرة) اتفاق كل تلك الأطراف المعنية على خلق الاختلاف وتطويره ومن ثم تطويعه لكي يستمروا في الكراسي!!! وبصراحة أرى أن كل من يتشبث بالكرسي ولسنوات طوال في ظل هذه الظروف، فإن له غرضًا في نفس يعقوب.
إنها والله لعبة قذرة، لسوف يذكرها التاريخ دومًا كمثال لرويبضة العصر الحديث!!!!!
إنني لا أعمم، لعل هناك منهم صادقين ديدنهم غير ذلك، وهم أصحاب نوايا حسنة، ولعلهم يحاولون ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا وفق الله الصادقين منهم.