Skip to main content
"الشحومي" يكتب: الأزمة الجيوسياسية في الخليج العربي 2026 وانعكاساتها على الاقتصاد الليبي
|

“الشحومي” يكتب: الأزمة الجيوسياسية في الخليج العربي 2026 وانعكاساتها على الاقتصاد الليبي

كتب الخبير الاقتصادي “سليمان الشحومي”، الأزمة الجيوسياسية في الخليج العربي 2026 وانعكاساتها على الاقتصاد الليبي، يشهد النظام الدولي تصاعدًا ملحوظًا في التوترات الجيوسياسية في منطقة الخليج العربي غير أن هذه الأزمة لا يمكن قراءتها كصراع سياسي تقليدي  بل بوصفها تحولًا في بنية الاقتصاد السياسي للطاقة عالميًا فقد انتقلت من مستوى التهديدات السياسية إلى مستوى التأثير المباشر على أمن الإمدادات وسلاسل التوريد  وتكاليف النقل والتأمين وتوقعات الأسواق العالمية. 

تكمن خطورة هذه الأزمة في ارتباطها بمضيق هرمز أحد أهم نقاط الاختناق في الاقتصاد العالمي حيث تمر نسبة كبيرة من تجارة النفط والغاز ومع تصاعد التوتر، شهدت الأسواق ارتفاعًا حادًا في أسعار الطاقة  إلى جانب اضطرابات في الشحن البحري وارتفاع أقساط التأمين، فضلًا عن تحذيرات من تباطؤ النمو العالمي وارتفاع التضخم  هذه المعطيات تعكس أن الأزمة الحالية تمثل صدمة جيو-اقتصادية مركبة (Geo-economic shock) تتجاوز آثارها حدود المنطقة لتطال الاقتصاد العالمي بأسره  و التي تنعكس علي  إعادة تسعير المخاطر عالميًا  وفي هذا السياق يمكن تحديد ثلاث سمات رئيسية للأزمة الحالية:

أولًا، اضطراب تدفقات الطاقة ما يؤدي إلى ارتفاع الأسعار وتقلبها.

ثانيًا، ارتفاع تكاليف التجارة العالمية نتيجة زيادة كلفة الشحن والتأمين.

ثالثًا، تراجع الثقة الاقتصادية العالمية ما ينعكس على الاستثمار والنمو.

هذه الازمة تعكس علي الاقتصاد الليبي باعتباره  حالة نموذجية للاقتصادات الريعية  حيث يشكل النفط المصدر الرئيسي للإيرادات  فأكثر من 90% من الصادرات الليبية تأتي من النفط ما يجعل الاقتصاد شديد الحساسية لتقلبات الأسعار العالمية  و مع ذلك  تخلق الأزمة الخليجية مفارقة واضحة من جهة  تستفيد ليبيا من ارتفاع أسعار النفط  مما يعزز الإيرادات العامة من جهة أخرى تواجه زيادة في تكلفة الواردات وضغوطًا تضخمية ومالية 

هذا التناقض يعكس ما تسميه الأدبيات الاقتصادية بـالصدمة المزدوجة  حيث تتولد آثار إيجابية وسلبية في آن واحد ما يجعل صافي الأثر يعتمد على كيفية إدارة السياسات الاقتصادية الداخلية وليس فقط على تطورات الأسواق العالمية وتنتقل آثار الأزمة الخطيرة  الحالية باقفال او تعطيل ممرات الطاقة عبر مضيق هرمز  إلى الاقتصاد الليبي عبر عدة قنوات مترابطة:

أولًا، قناة الأسعار النفطية حيث ترتفع الإيرادات في الأجل القصير لكنها تبقى عرضة للتقلب.

ثانيًا، قناة الواردات حيث يؤدي ارتفاع تكاليف النقل والتأمين إلى زيادة أسعار السلع المستوردة وهو ما ينعكس مباشرة على التضخم المحلي.

ثالثًا، قناة سعر الصرف والاحتياطيات حيث يزيد الطلب على النقد الأجنبي مما يضغط على الاحتياطيات.

رابعًا، قناة الاقتصاد العالمي حيث يمكن أن يؤدي استمرار الأزمة إلى تباطؤ عالمي يقلل الطلب على النفط لاحقًا.

هذه القنوات تؤكد أن أثر الأزمة على ليبيا ليس مباشرًا فقط بل نظامي ومتعدد الأبعاد.

استراتجيا يبرز  التحدي الحقيقي أمام ليبيا ليس في تحقيق إيرادات أعلى بل في إدارة المخاطر المرتبطة بعدم اليقين وهنا يمكن التركيز علي المرونة الاقتصادية عبر تعزيز قدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمات والتكيف معها و هذه تتطلب صياغة استراتجية ترتكز علي الاتي : 

أولًا، تبني سياسة مالية مضادة للدورة (Counter-cyclical fiscal policy) بحيث يتم ادخار جزء من الإيرادات النفطية خلال فترات الارتفاع بدلًا من إنفاقها بالكامل.

ثانيًا، يجب إعادة هيكلة نظام الواردات من خلال إعطاء الأولوية للسلع الأساسية وتقليل الاعتماد على الواردات الكمالية وهو ما يتماشى مع توصيات البنك الدولي بشأن إدارة الصدمات الخارجية في الاقتصادات النامية.

ثالثًا، من الضروري تعزيز التنسيق بين المؤسسات الاقتصادية (المصرف المركزي، وزارة المالية، المؤسسة الوطنية للنفط) من خلال إنشاء آلية إنذار مبكر لمتابعة التطورات العالمية واتخاذ قرارات سريعة.

رابعًا، والأهم، يجب النظر إلى هذه الأزمة كفرصة لتسريع عملية الاصلاح الاقتصادي حيث  أن فترات الأزمات غالبًا ما تكون محفزًا للإصلاحات الهيكلية بالاقتصاد خصوصا و ان هناك ملفات اصلاح اقتصادية  عديدة في حاجة الي برنامج للاصلاح  ينتهز الفرصة للقيام بما هو  المطلوب.

مشاركة الخبر