كتب: أستاذ الاقتصاد جامعة بنغازي “علي الشريف” مقالاً
في ظل غياب رؤية اقتصادية واضحة، وتزايد القرارات العشوائية والارتجالية التي تُتخذ دون دراسات كافية أو تقييم حقيقي لآثارها الاقتصادية والاجتماعية، أصبح من الضروري التفكير جديًا في إنشاء مجلس أعلى للسياسات الاقتصادية، يتولى رسم التوجهات العامة للاقتصاد الوطني، ووضع السياسات والخطط التي تحقق المصلحة العامة وتحافظ على موارد الدولة وحقوق المواطنين.
إن استمرار اتخاذ القرارات الاقتصادية بعيدًا عن التخطيط العلمي والدراسات المتخصصة يفتح المجال أمام قرارات قد تخدم مصالح ضيقة وأغراضًا خاصة، على حساب الصالح العام، وتؤدي إلى الإضرار بمصالح الأفراد والمؤسسات، وتفاقم الاختلالات الاقتصادية.
ومن هذا المنطلق، نقترح أن تكون تبعية المجلس لمجلس النواب مباشرة، أو لمجلس التخطيط الوطني، على أن تقتصر هذه التبعية على الجانب الإداري والتنظيمي، مع ضمان استقلاليته الفنية الكاملة، بعيدًا عن أي تدخلات أو ضغوط سياسية أو إدارية قد تؤثر في موضوعية قراراته وتوصياته.
كما ينبغي أن يتمتع المجلس بصلاحيات واضحة وفاعلة، من بينها:
رسم السياسات والتوجهات الاقتصادية العامة للدولة.
دراسة القرارات الاقتصادية الكبرى قبل اعتمادها، وتقييم آثارها ونتائجها المتوقعة.
مراجعة القرارات الاقتصادية المقترحة وإبداء الرأي الفني بشأن مدى ملاءمتها للمصلحة العامة.
اقتراح التعديلات اللازمة على القرارات التي تتعارض مع السياسات الاقتصادية المعتمدة.
ضمان التنسيق والتكامل بين المؤسسات والأجهزة الاقتصادية في الدولة.
متابعة تنفيذ السياسات الاقتصادية وتقييم نتائجها بصورة دورية.
والأهم من ذلك أن تكون للمجلس صلاحية إلزام الجهات والأجهزة الاقتصادية بعرض القرارات ذات التأثير الاقتصادي الجوهري عليه قبل إصدارها أو تنفيذها، وألا يُمرر أي قرار من هذا النوع دون مراجعته وإبداء الرأي الفني بشأنه، مع وضع إطار قانوني يحدد القرارات الخاضعة لهذه المراجعة وآثار مخالفة ذلك.
إن الهدف من إنشاء هذا المجلس ليس إضافة مؤسسة إدارية جديدة إلى مؤسسات الدولة، وإنما إيجاد مرجعية وطنية متخصصة تضمن أن تكون القرارات الاقتصادية مبنية على العلم والدراسة والتخطيط، لا على الاجتهادات الفردية أو المصالح الضيقة.
فالاقتصاد الوطني لا يُدار بالقرارات العشوائية، وإنما برؤية واضحة وسياسات مدروسة ومؤسسات مستقلة تتحمل مسؤولية حماية المصلحة العامة.





