Skip to main content
"الشلوي": الاتفاقية الليبية التركية.. السيادة البحرية وفرصة ليبيا في معادلة شرق المتوسط
|

“الشلوي”: الاتفاقية الليبية التركية.. السيادة البحرية وفرصة ليبيا في معادلة شرق المتوسط

كتب: الخبير النفطي والاقتصادي “عبدالمنصف الشلوي” مقالاً

إن مصادقة مجلس النواب الليبي على الاتفاقية البحرية الليبية التركية تمثل تطوراً مهماً في مسار حماية المصالح الوطنية، وتستحق قراءة تتجاوز الجدل السياسي المباشر إلى أبعادها القانونية والاستراتيجية والاقتصادية، وما يمكن أن تتيحه لليبيا من فرص مستقبلية في مجال استكشاف النفط والغاز البحري.

فشرق المتوسط لم يعد مجرد منطقة جغرافية تتداخل فيها المطالب البحرية، بل أصبح ساحة استراتيجية تتنافس فيها الدول على الموارد الطبيعية، وممرات الطاقة، ومواقع الاستثمار، في ظل اكتشافات غازية كبيرة، من بينها حقل ظهر المصري، وليفياثان، وأفروديت، وكرونوس. وقد أثبتت هذه التجارب أن الموارد البحرية، متى ثبتت جدواها التجارية، يمكن أن تتحول إلى رافد اقتصادي مهم ومصدر لتعزيز المكانة الإقليمية للدول.

ومن هنا تبرز أهمية الخطوة الليبية؛ فالمصادقة البرلمانية من شأنها أن تعزز حضور ليبيا في أي تفاهمات إقليمية أو مسارات تفاوضية مستقبلية تتعلق بالحدود البحرية وحقوق الاستكشاف.

وفي منطقة تتشابك فيها المطالب القانونية والجغرافية، قد تتطور الخلافات إلى مفاوضات متعددة الأطراف أو إجراءات قانونية وتحكيمية، بما يجعل من الضروري أن تكون ليبيا حاضرة بملف وطني متكامل، لا أن تترك للآخرين رسم ملامح الترتيبات التي تمس مصالحها.

ومع ذلك، فإن تثبيت الحقوق البحرية لا يتحقق بمجرد المصادقة على اتفاقية، كما أن آثارها في مواجهة الدول الأخرى تظل مرتبطة بالقانون الدولي والوقائع الجغرافية والقانونية ذات الصلة.

لكن الخطوة تكتسب أهميتها من كونها تعزز الموقف الليبي وتدفع نحو ضرورة التعامل الجاد مع حقوق الدولة ومصالحها في أي تسوية مستقبلية.

أما من الناحية الاستثمارية، فإن شركات الطاقة الدولية، مثل شيفرون وإيني وإكسون موبيل وتوتال إنرجيز، تتعامل مع المناطق البحرية وفق حسابات دقيقة تشمل وضوح الوضع القانوني، واحتمالات الاكتشاف التجاري، وتكاليف الحفر والتطوير، والاستقرار السياسي والتعاقدي.

ولذلك، قد تدفع التطورات الأخيرة بعض الشركات إلى إعادة تقييم مخاطرها في المناطق المتنازع عليها، بينما قد تفتح أمام ليبيا فرصة لتعزيز الدراسات الجيولوجية وتطوير برامج استكشاف أكثر جاذبية، شريطة توفير الضمانات القانونية والفنية اللازمة.

إن المطلوب اليوم هو الانتقال من النقاش حول الاتفاقية إلى بناء رؤية وطنية متكاملة، تجمع بين العمل القانوني والدبلوماسي والدراسات البحرية والجيولوجية، وتحدد المناطق ذات الأولوية للاستكشاف، وتستقطب الشركات القادرة على تحويل الإمكانات الطبيعية إلى مشروعات إنتاجية وعوائد اقتصادية حقيقية.

فالسيادة البحرية ليست شعاراً سياسياً، بل مسؤولية وطنية تتطلب وضوح الرؤية، وتكامل المؤسسات، والاستعداد الفني والقانوني، والإرادة القادرة على الدفاع عن الحقوق وتحويلها إلى مكاسب مستدامة.

إن مصادقة البرلمان تمثل محطة مهمة، لكن مسؤولية المرحلة المقبلة تقع على عاتق مؤسسات الدولة كافة في توحيد الجهود وشحذ الهمم، حتى تكون ليبيا طرفاً فاعلاً في صياغة مستقبل شرق المتوسط، لا مجرد متلقٍ لنتائج تفاهمات الآخرين.

لقد آن الأوان لأن ننظر إلى البحر الليبي باعتباره امتداداً لثروتنا وسيادتنا وفرصنا الاقتصادية؛ وأن نعمل بثقة وعلم ومسؤولية، حتى تكون حقوق ليبيا حاضرة في كل تفاهم، ومصالحها محفوظة في كل تسوية، وثرواتها أساساً لتنمية مستدامة يستفيد منها الوطن والأجيال القادمة.

مشاركة الخبر