كتب: الخبير اقتصادي والنفطي “عبدالمنصف الشلوي” مقالاً
ليبيا أمام فرصة لإعادة رسم خريطة الاستكشاف.. ونجاح [نوفا] يقاس بما يتحول من أفكار إلى استثمارات وإنتاج.
قال الخبير الاقتصادي الشلوي: إن انعقاد { نوفا 2026 } في بنغازي يأتي في توقيت مهم بالنسبة لقطاع النفط والغاز الليبي، في ظل عودة النشاط الاستكشافي وارتفاع مستويات الإنتاج وتجدد اهتمام الشركات الدولية بالسوق الليبية.
أهمية المؤتمر لا ترتبط فقط بكونه معرضاً يضم شركات محلية ودولية وإنما بكونه يجمع الاستكشاف وتطوير الحقول والاستثمار والتكنولوجيا والتحول الرقمي في منصة واحدة وهو ما يتوافق مع احتياجات المرحلة المقبلة للقطاع.
أن ليبيا تمتلك واحدة من أكبر قواعد الاحتياطي النفطي في أفريقيا بأكثر من 48 مليار برميل من الاحتياطيات النفطية المؤكدة وفق بيانات أوبك .. الأمر الذي يجعل قضية الاستكشاف بالنسبة لليبيا مختلفة عن كثير من الدول، فهي لا تبحث فقط عن موارد جديدة وإنما تسعى إلى تحويل الإمكانات الجيولوجية الكبيرة إلى احتياطيات قابلة للتطوير وإنتاج وإيرادات مستدامة.
عام 2026 حمل بالفعل مؤشرات مهمة على إمكانية توسيع قاعدة الموارد ، من بينها إعلان المؤسسة الوطنية للنفط عن اكتشاف غازي بحوالي تريليون قدم مكعب في المنطقة البحرية، مع تقديرات بإمكانية إضافة نحو 130 مليون قدم مكعب يومياً إلى الإنتاج بعد التطوير والربط، إلى جانب الإعلان عن تجارية اكتشاف باحتياطيات تقدر بنحو 195 مليون برميل من النفط.
في المقابل، فإن زيادة الإنتاج من الحقول القائمة تؤكد أن الفرصة لا تكمن في الاستكشاف وحده، فقد أعلنت المؤسسة الوطنية للنفط في يونيو الماضي وصول إنتاج الخام إلى نحو 1.439 مليون برميل يومياً وهو أعلى مستوى معلن منذ عام 2013،مع استهداف الوصول إلى 1.5 مليون برميل يومياً قبل نهاية 2026.
هذه الأرقام مهمة لأنها تؤكد أن المعادلة الليبية يجب ألا تقوم على الاختيار بين الاستكشاف وزيادة الإنتاج من الحقول القائمة، بل على العمل في المسارين معاً، فالإنتاج الحالي يمول الاقتصاد والاستكشاف والتطوير يؤسسان لإنتاج المستقبل.
عودة الشركات العالمية إلى النشاط الاستكشافي تمثل تطوراً مهماً، ففي فبراير 2026 شهدت ليبيا أول جولة تراخيص استكشافية منذ عام 2007 وأسفرت عن منح خمسة من أصل 20 قطاعاً معروضاً لشركات وتحالفات دولية، بينها Chevron وEni وQatarEnergy وRepsol وشركاء آخرون،في أحواض سرت ومرزق والمناطق البحرية.
هذه العودة تمنح (( نوفا 2026 )) أهمية إضافية، لأن المؤتمر يأتي في مرحلة بدأت فيها ليبيا بالفعل في إعادة فتح ملف الاستكشاف أمام الاستثمار الدولي، وبالتالي فإن المطلوب هو البناء على هذا الاهتمام وتوسيعه ليشمل مزيداً من الشركات والتقنيات ورؤوس الأموال.
أن برنامج ( نوفا ) يتناول موضوعات جوهرية من إمكانات الأحواض الرسوبية والبيانات والتراخيص إلى إدارة المكامن ورفع معامل الاستخلاص وتحسين الإنتاج ثم الانتقال إلى الذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات والأتمتة والحقل الرقمي، وهذه ليست موضوعات منفصلة، بل حلقات مترابطة في صناعة النفط الحديثة.
أن التكنولوجيا أصبحت عاملاً حاسماً في زيادة القيمة من كل برميل منتج وليس فقط في اكتشاف البراميل الجديدة مشيراً إلى أن تجربة ليبيا نفسها تقدم أمثلة على ذلك، إذ تمكنت شركة الخليج العربي للنفط بالتعاون مع شركة SLB من رفع إنتاج إحدى الآبار من نحو 300 إلى حوالي 4,000 برميل يومياً باستخدام التدفق الطبيعي، كما يجري تنفيذ برامج للحفر التطويري وإعادة تأهيل الآبار ورفع كفاءة المكامن في عدد من الشركات.
الاختبار الحقيقي لنجاح {[ نوفا 2026 ]} لن يكون في عدد الحاضرين أو الشركات المشاركة وإنما في ما سيحدث بعد انتهاء المؤتمر، هل تتحول النقاشات إلى دراسات استكشافية؟ هل تتحول الفرص إلى تراخيص واستثمارات؟ هل تنتقل التكنولوجيا إلى مواقع الإنتاج؟ وهل تتحول التوصيات إلى برامج عمل قابلة للقياس والمتابعة؟.
المطلوب هو إنشاء آلية واضحة لمتابعة مخرجات المؤتمر، بحيث لا تبقى التوصيات في إطار الأوراق والنقاشات وإنما تتحول إلى خريطة طريق للاستكشاف والتطوير والاستثمار والتكنولوجيا.
ليبيا أمام فرصة حقيقية، فلدينا الاحتياطي ولدينا الخبرات الوطنية ولدينا بنية أساسية نفطية قائمة ولدينا اهتمام دولي متجدد وما نحتاجه هو أن نجمع هذه العناصر في منظومة واحدة قادرة على تحويل الإمكانات إلى قيمة اقتصادية مستدامة.
وفي الختام نقول إن {[نوفا 2026 ]} يمكن أن يمثل بداية مهمة لمرحلة جديدة في قطاع النفط والغاز الليبي، إذا نجح في بناء جسور عملية بين مراكز البحث والمؤسسات الوطنية والشركات الليبية والشركات الدولية والمستثمرين والجامعات، مؤكداً أن مستقبل القطاع لن يتحدد فقط بحجم ما تنتجه ليبيا اليوم وإنما بقدرتها على اكتشاف ما ستنتجه غداً وتطويره بكفاءة والمحافظة على استدامة الإنتاج لعقود قادمة.
فالاستكشاف هو بداية القصة والإنتاج هو نتيجتها أما التكنولوجيا والاستثمار والكفاءة فهي الأدوات التي تحول الثروة إلى قيمة.




