كتب الخبير النفطي “عبد المنصف الشلوي”: الإيرادات النفطية وحدها لا تكفي.. أين تذهب الدولارات الليبية؟ قراءة في بيان مصرف ليبيا المركزي من منظور نفطي واقتصادي.
كنت أتمنى، بالتزامن مع البيان الصادر اليوم عن مصرف ليبيا المركزي بشأن الإيرادات النفطية الموردة إليه، أن يتضمن إفصاحًا موازيًا عن استخدامات النقد الأجنبي، موزعة بالدولار وبالتفصيل حسب الأغراض والجهات المستفيدة، لأن تقييم الوضع النقدي والمالي لا يكتمل برصد ما يدخل إلى المنظومة المصرفية، دون معرفة ما يخرج منها وأوجه استخدامه.
فوفقًا لبيان المصرف عن الفترة من يناير إلى نهاية سبتمبر 2026، بلغت الإيرادات النفطية والإتاوات نحو 17.6 مليار دولار، مقابل استخدامات للنقد الأجنبي بلغت 22.3 مليار دولار، بعجز يُقدَّر بنحو 4.7 مليار دولار، وهي فجوة تستحق قراءة تحليلية تتجاوز مجرد الإعلان عن الإيرادات، خصوصًا أن المصرف أشار إلى تغطيتها من عوائد استثماراته الخارجية.
وتكشف تفاصيل الاستخدامات المنشورة عن إنفاق المصارف التجارية نحو 19.34 مليار دولار، توزعت بين الاعتمادات المستندية بقيمة 10.11 مليار دولار، والأغراض الشخصية بنحو 6.51 مليار دولار، والحوالات بقيمة 2.68 مليار دولار، إضافة إلى نحو 39 مليون دولار لبطاقات صغار التجار. أما الاستخدامات المباشرة للمصرف المركزي فبلغت قرابة 2.98 مليار دولار، شملت تمويل الكهرباء والمؤسسة الوطنية للنفط ومرتبات العاملين بالخارج والإمداد الطبي وغيرها من الالتزامات.
وهنا تبرز مجموعة من الأسئلة الاقتصادية الجوهرية: ما نسبة هذه الاستخدامات التي اتجهت إلى استيراد السلع الأساسية ومدخلات الإنتاج والدواء؟ وما حصة الوقود والطاقة؟ وما حجم الاعتمادات التي تحولت فعليًا إلى واردات وصلت إلى السوق الليبية؟ وهل تتناسب هذه التدفقات مع احتياجات الاقتصاد وحجم الطلب المحلي؟
إن المسألة ليست في الاعتمادات المستندية أو التحويلات الشخصية في حد ذاتها، فلكل منها وظيفة اقتصادية مشروعة، وإنما في ضرورة إظهار الصورة الكاملة لتدفقات النقد الأجنبي، ومدى كفاءة توجيهها والقدرة على التحقق من أن الدولار المخصص للاستخدامات المختلفة قد حقق الغرض الذي مُنح من أجله.
من المهم كذلك التمييز بين الفائض المسجل بالدينار والعجز المسجل بالنقد الأجنبي، فهما مؤشّران مختلفان لا يجوز التعامل مع أحدهما باعتباره دليلًا كافيًا على سلامة الوضع المالي والنقدي. فقد تسجل الإيرادات العامة بالدينار فائضًا، بينما تتجاوز المدفوعات الخارجية حصيلة النقد الأجنبي المتاحة، بما يفرض ضغوطًا على الأصول الأجنبية وسوق الصرف.
من هذا المنطلق، فإن ما نحتاج إليه ليس مجرد بيانات دورية للإيرادات، بل ميزان نفطي ومالي متكامل يربط بين إنتاج النفط وتصديره والإيرادات المحصلة فعليًا والاستخدامات الدولارية والالتزامات القائمة والتغير في الأصول الأجنبية. كما ينبغي أن يتضمن بيانات تفصيلية قابلة للمقارنة شهريًا، بما يسمح بتحديد مصادر الاختلال بدل الاكتفاء برصد نتائجه.
لقد أكدت في ورقة بحثية سابقة حول إعادة توجيه الإنفاق النفطي لبناء اقتصاد ليبي مستدام أن التحدي لا يقتصر على حجم الإيراد النفطي، بل يمتد إلى كيفية إدارته وتوجيهه وحماية القدرة الإنتاجية للقطاع الذي يمول الجزء الأكبر من مالية الدولة.
فالشفافية الحقيقية لا تعني أن نعرف كم دولارًا دخل إلى ليبيا فحسب، بل أن نعرف كم دولارًا خرج، ولمن، ولأي غرض، وما القيمة الاقتصادية التي عادت على المواطن والاقتصاد مقابل إنفاقه.





