كتب عضو لجنة السياسة النقدية بالمركزي “أيوب الفارسي” مقالاً قال خلاله:
هل الإفراط في اختزال المشكلة الاقتصادية الليبية في متغيرين فقط (حجم الإنفاق العام مقابل عرض الدولار) يغفل جانب الكفاءة التشغيلية للنقود ومرونة التداول .
#الفرق بين “حجم” النقد و”سرعته”: من الناحية النظرية النظيفة، زيادة سرعة دوران الدينار محلياً تعني زيادة المعاملات الاقتصادية الحقيقية (خلق القيمة المضافة) دون الحاجة بالضرورة لطباعة المزيد من النقد أو ضخ سيولة إضافية تُشكل ضغطاً على الصرف الأجنبي .
#لماذا يحجم الخبراء عن طرح “سرعة الدوران” كحل إجرائي؟
هنا يكمن الفرق بين الآلية النظرية وواقع الهيكل الاقتصادي الليبي، ويبرز سبب التحفظ:
#العلاقة العكسية المقترنة باستيراد الاستهلاك: سرعة دوران النقود (V) في اقتصاد إنتاجي متنوع تترجم إلى توسع في المعاملات المحلية ، أما في اقتصاد ريعي مكشوف بنسبة تتجاوز 85%، فإن تسريع دوران الدينار محليا دون وجود قاعدة إنتاجية محلية يعجل فوراً وبشكل شبه مباشر بطلب الدولار لاستيراد السلع الاستهلاكية. أي أن تسريع الدوران يُسرع آلية الانعكاس على سوق العملة الأجنبية (Pass-Through Effect).
#معضلة النقد المكتنز : لكي تزيد سرعة الدوران في القنوات الرسمية، يجب أن تمر العملة عبر النظام المصرفي. ولكن مع تفضيل التداول النقدي (Cash Preference) واحتفاظ الجمهور والقطاع الموازي بالسيولة خارج المصارف، فإن تسريع حركة النقد يتجه غالباً نحو المضاربة أو الأسواق الموازية بدلاً من الدورة الاقتصادية الرسمية.
#سرعة دوران النقود في ليبيا تسجل معدلات متدنة، فحسب معادلة سرعة دوران النقود ببيانات 2025 فسرعة دوران النقود (حولي 1.05 إلى 1.07 )، ولا يعتبر المؤشر غائبا بقدر ما هو محبِط للاستخدام كأداة توجيهية قبل معالجة الاختلالات الهيكلية للمشروع المصرفي نفسه.
فالاقتصاديون لا يبحثون عن زيادة هذا الرقم في حد ذاته بل تغيير طبيعة الحركة:
1-ربط الدوران بالقطاعات غير النفطية: أن تقابل كل دورة للنقود عملية إنتاج محلي أو خدمة مضافة، بدلاً من أن تتحول فوراً إلى طلب على العملة الأجنبية لاستيراد السلع الاستهلاكية.
2- استعادة وظيفة الوساطة المالية: تمكين المصارف من تحويل الودائع إلى ائتمان واستثمار إنتاجي حقيقي بدلاً من الاقتصار على تقديم خدمات السحب الإداري.
– #المعضلة الهيكلية للإنفاق العام: التوسع في الإنفاق (خاصة المرتبات والدعم) يسهم بالدرجة الأولى في تغذية الطلب الكلي على الاستهلاك وليس الإنتاج.
#حلقة الفجوة السعرية: زيادة الإنفاق العام ينعكس فوراً كـ M_1 إضافي في السوق. وفي ظل غياب مرونة العرض المحلي، يذهب هذا الطلب الزائد مباشرة لنوافذ ومظلات طلب النقد الأجنبي، مما يزيد الفجوة السعرية بين السعر الرسمي والموازي إذا لم يُغطى الطلب بالكامل بالدولار.
الخلاصة: زيادة سرعة دوران النقود هي نتيجة لإصلاح هيكلي (توسيع القاعدة الإنتاجية، إعادة الثقة للمصارف، وتفعيل وسائل الدفع)، وليست سبباً أو أداة يمكن ضغط زرها لتنشيط الاقتصاد قبل تهيئة هذه البيئة.





