كتب عضو في لجنة السياسة النقدية بالمصرف المركزي “د. أيوب الفارسي” مقالاً قال خلاله:
في معرض الجدل حول جدول المرتبات الموحد.. وفي ظل غياب إصلاح آلية إدارة الثروة التي فاقمت الأزمات في كل الملفات، الحل ليس بجديد وطبق في بعض الدول ولكنه حل يحتاج إرادة سياسية قبل كل شيء ولكن بدونه فإن نمط التوظيف لا يضمن إلا فقر الموظفين وهدر موارد البلاد.
تعاني الدولة الليبية من أزمة هيكلية مركبة تمثلت في التضخم الهائل لحجم الجهاز الإداري وتكدس العاملين في القطاع العام، مما فرض عبئا ماليا ضخما على الميزانية العامة للدولة عبر ضخامة بند المرتبات. إن المخرج الحقيقي لهذه الأزمة لا يكمن في الحلول المؤقتة، بل في صياغة سياسة اقتصادية وتطويرية شاملة تجمع بين تحفيز المبادرة الفردية، وتفعيل دور القطاع المصرفي، وإعادة هيكلة الوظيفة العامة وفق معايير الكفاءة، مع ربط مخرجات التعليم باحتياجات سوق العمل الفعلي.
أولاً: برنامج التحول نحو الريادة والأعمال الحرة
يقوم هذا المحور على تشجيع الموظفين الراغبين في خوض مجال الريادة عبر تقديم حوافز وتأمينات تضمن الاستقرار الوظيفي والمالي خلال مرحلة التأسيس، وذلك وفق الخطوات التالية:
- منح الموظف راغب التحول تفرغاً تاماً عن العمل لمدة عام كامل مع استمرار صرف مرتبه الأساسي.
- تقديم قروض حسنة للموظف بدون فوائد لتأسيس مشروع خاص به كرب عمل.
- ضمان حق العودة للوظيفة الحكومية في حال تعثر المشروع خلال فترة التفرغ، مع البدء في استقطاع قيمة القرض الحسن أقساطاً ميسرة من الراتب الأساسي بعد استئناف العمل.
ثانياً: تفعيل دور المصارف الوطنية والتنمية الاقتصادية
تحويل المصارف من مجرد منافذ لتوزيع السيول والمرتبات إلى محركات للتنمية عبر:
التزام المصارف بتمويل ودعم المشاريع الصغرى والمتوسطة المبتكرة من قبل الموظفين المتحولين للقطاع الخاص.
تقديم خدمات الاستشارة والتوجيه المالي ورعاية الأعمال للمشروع لضمان استمراريته وتقليل نسب الفشل.
ثالثاً: إعادة هيكلة الوظيفة العامة وتقييم الأداء
يهدف هذا المحور إلى تقليص الحجم الزائد للجهاز الحكومي وتطوير جودة الخدمات عبر الأساليب التالية:
- تحديد سقف أمثل لعدد العاملين المطلوبين فعلياً في كل مؤسسة حكومية بناءً على دراسات الاحتياج والمجالات التشغيلية.
- رفع مرتبات الكوادر المستمرة في القطاع العام إلى مستويات تحقق الرفاهية وتضمن العيش الكريم والمنافسة مع القطاع الخاص.
- تطبيق نظام دقيق لتقييم الإنتاجية يستند إلى منح نقاط أداء شهرية وسنوية، وترتبط بها المكافآت والترقيات بوضوح.
رابعاً: إنشاء صندوق إدارة وتأمين العمالة الزائدة
يعمل الصندوق كشبكة أمان اجتماعي واقتصادي لمعالجة الهشاشة الوظيفية من خلال:
توفير سقف أدنى من الدخل للباحثين عن عمل وللعاملين في الشركات والمؤسسات التعثرة.
إدارة عمليات إعادة التأهيل والتدريب للعمالة الزائدة تمهيداً لنقلهم وسد احتياجات القطاع الخاص.
خامساً: ضبط مخرجات التعليم والربط بسوق العمل معالجة جذرية للأزمة عبر إصلاح سياسات القبول الجامعي من خلال:
التنسيق المباشر مع الجامعات والمؤسسات التعليمية لوقف القبول في التخصصات التي وصلت إلى مرحلة الإشباع في القطاع العام.
إلزام الطلاب الراغبين بالالتحاق بهذه التخصصات المشبعة بتوقيع إقرار رسمي يتضمن عدم مطالبة الدولة بالتجميع الوظيفي أو التعيين، إلا في حال وجود احتياج فعلي وتنافسي معلن عنه رسمياً.
ختاما…
إن تطبيق هذا المقترح بشكل متكامل ومرحلي سيسهم في تحويل بند المرتبات من عبء استهلاكي يرهق كاهل الميزانية العامة إلى طاقة استثمارية تنعش السوق المحلي، وتوفر فرص عمل حقيقية وتنموية تدعم الاقتصاد الوطني.
وكما ذكر سابقا دون إرادة سياسية ومؤسسات موحدة وقوية ورؤية اقتصادية واعدة وشاملة لن يتم أي إصلاح.


