| مقال الأسبوع, مقالات اقتصادية
“المانع”: إعلان نتائج جولة العطاء العام في ليبيا لاستكشاف النفط والغاز
كتب المستشار “مصطفى المانع”: إعلان نتائج جولة العطاء العام في ليبيا لاستكشاف النفط والغاز
أعلنت المؤسسة الوطنية للنفط الليبية اليوم، الأربعاء 11 فبراير 2026، نتائج أول جولة عطاء عام لاستكشاف النفط والغاز في البلاد منذ 17 عامًا، في خطوة تُعدّ من أبرز الأحداث الاقتصادية في السنوات الأخيرة. في هذه الجولة، تم منح تراخيص لاستكشاف وتطوير النفط والغاز لعدد من الشركات الدولية الكبرى، بعد طرح نحو 20 قطعة استكشافية على امتداد الأحواض الرئيسية في البلاد، من بينها على البرّ 11 قطة و9 قطع بحرية.
الشركات الفائزة
هذه الجولة الأولى بعد قرابة العقدين ، فازت بها شركات ريبسول الإسبانية، وايني الإيطالية، وشيفرون الأمريكية، وتحالفات ضمت شركات أخرى من المجر وتركيا وقطر ونيجيريا، وقد كان للجولة أهدافاً واضحة تمثلت في جذب الاستثمار الأجنبي المباشر، زيادة الإنتاج النفطي والغازي، دعم الاقتصاد الوطني، وتنمية موارد الدولة، تعزيز ثقة الشركاء في قطاع الطاقة، وفي السوق الليبي بصفةً عامة.
استثمار جديد بعد انقطاع طويل
تُعد هذه الجولة أول عملية ترسية علنية منذ عام 2007، بعد توقف طويل بسبب التحديات السياسية والأمنية التي شهدتها البلاد. عودة مثل هذه العملية يعكس ثقة عدد من الشركات العالمية الكبرى في الإمكانيات الهيدروكربونية لليبيا، وكذلك في البيئة الاستثمارية للبلاد.
من خلال منح تراخيص لشركات كبرى وشراكات متعددة الجنسيات، تنطلق ليبيا التي تنتج من النفط قرابة 1.4 برميل يومياً، من مرحلة استهلاكية تعتمد على الموارد الحالية إلى مرحلة شراكات إستراتيجية تُنتج قيمة مضافة طويلة الأجل، وهو ما يسهم في زيادة الاستثمارات في القطاعات الفنية والتكنولوجية والخدمات المرتبطة بالطاقة.
زيادة الدخل ودعم الاقتصاد الوطني
على المدى المتوسط، فإن دخول الشركات المتخصصة في عمليات الاستكشاف والتطوير سيؤدي إلى زيادة الإنتاج النفطي والغازي، إلى 1.6 مليون برميل يومياً، ثم إلى 2 مليون برميل يومياً، الأمر الذي من شأنه رفع الإيرادات العامة للدولة. اذ يعتمد الاقتصاد الليبي بدرجة كبيرة على قطاع الطاقة، وبالتالي إعادة تنشيط هذا القطاع يعني ضخ موارد مالية جديدة في خزينة الدولة، تُمكّن من تمويل مشاريع تنموية أخرى في الصحة، التعليم، والبنية التحتية، بالإضافة إلى تحريك كل عجلة الاقتصاد، وفي المجمل تمكن من تنويع مصادر الدخل.
زيادة الإنتاج، بالتزامن مع الترتيبات التعاقدية الحديثة، يُمكن أن يُسهم أيضًا في استقطاب استثمارات خارج نطاق النفط التقليدي، نحو مشاريع تحويلية واقتصاديات مبتكرة.
تعزيز الثقة الدولية والشراكات
نجاح هذه الجولة لا يقتصر على الشقّ الاقتصادي فقط، وإنما له أبعاد دبلوماسية واستراتيجية، فتنافس شركات تحمل جنسيات دول متعددة، وفوزها باستثمارات ستدار وفق أطر تعاقدية شفافة، سيعزز بلا شك علاقات ليبيا مع شركائها الدوليين، ويضع البلاد في موقع اقتصادي أقوى على خريطة الاستثمار العالمي.
ان الثقة التي التي حققتها ليبيا بهذه الخطوة، ليست ثقة شركات النفط العالمية فقط، بل أيضاً ثقة البنوك وأدوات التمويل وصناديق الاستثمار، التي باتت تدرك جاذبية السوق الليبي، تنوعاً وإيراداً، وانخفاضاً في المخاطر.
هذه الخطوة تمثل جسرًا لبناء شراكات أوسع تشمل نقل التكنولوجيا، التدريب المهني، وخلق فرص عمل لليبيين في القطاع النفطي، وما يتصل به من صناعات وخدمات.
ختامًا: إن إعلان نتائج جولة العطاء العام في ليبيا اليوم ليس حدثًا منفصلًا، بل جزء من استراتيجية أوسع، تقودها حكومة الوحدة الوطنية، لعودة الحياة إلى مسار التنمية الاقتصادية وجذب الاستثمار الدولي، ودعم موارد الدولة، وتعزيز الشراكات التي توفر معرفة تقنية وخبرات إدارية تُسهم في تحقيق نمو مستدام.
وتبقى تحديات أخرى مرتبطة بانجاز اليوم، مطروحة على طاولة المستهدفات الليبية في قطاع الطاقة، يأتي على رأسها خلق المزيج الطاقي، بالاستثمار في انتاج وتصدير الطاقة النظيفة، والمحافظة على البيئة، ومحاربة الانبعاثات الكربونية، وبناء وتأهيل جيل جديد من الكوادر الوطنية المتخصصة في مجال الطاقة، والمحافظة على قطاع الطاقة بعيداً عن أي تجاذبات.
إن من فاز اليوم بالجولة ليست الشركات العالمية، بل فاز الاقتصاد الوطني، وفازت ليبيا شرقاً وغرباً وجنوباً، بتطوير مصدر قوت كل الليبيين.
الكاتب هو المستشار مصطفى المانع هو محامٍ ليبي وخبير قانوني واقتصادي منذ أكثر من 24 عامًا، عمل مع عدد من المؤسسات الاستثمارية والصناديق السيادية والبنوك، في عدد من دول العالم بالإضافة إلى ليبيا، ويعمل كخبير لمراكز بحثية دولية، وعمل لسنوات كمستشار لمحافظ مصرف ليبيا المركزي، وترأس وكان عضواً بعدد من الفرق التنفيذية بالمصرف المركزي، كلجنة سعر الصرف وفريق الخطة الاحترازية، وفريق التدقيق، وفريق استعادة الثقة، وفريق سايبر لخلق بيئة تشريعية للتحول الرقمي، كما أنه عضو بمجلس إدارة المؤسسة الليبية للاستثمار والمصرف الليبي الخارجي، كما مثّل ليبيا في اجتماعات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، كما يرأس الفريق التنفيذي لمبادرات رئيس الوزراء والمشروعات الاستراتيجية، كما عمل خبيراً ومحاضراً مع نقابة المحامين الأمريكية، وعضواً معتمداً برابطة محامي أوروبا، كما أنه عضو المجلس الليبي الامريكي للتجارة والاستثمار، وله عدد من البحوث والمقالات المنشورة بالصحف العربية والأمريكية والأوروبية، وله آراءه الجريئة في ملفات التحول الاقتصادي والمالي.