| مقالات اقتصادية
“المانع”: قانون لبنان الجديد لاستعادة الودائع “عملية جراحية معقدة بعد استفحال المرض”
كتب المستشار “مصطفى المانع”: قانون لبنان الجديد لاستعادة الودائع “عملية جراحية معقدة بعد استفحال المرض” المنشور على عربي 21 https://2cm.es/1hkSg
تمثل الأزمة المالية والمصرفية التي انفجرت في لبنان منذ عام 2019 واحدة من أعمق الأزمات النقدية والمالية في التاريخ الحديث للدول النامية، ليس فقط من حيث حجم الخسائر، بل من حيث طريقة إدارتها وتأخر الاعتراف بها. ومع إقرار الحكومة اللبنانية مؤخرًا مشروع قانون معالجة الفجوة المالية واستعادة الودائع، ساد النقاش حول دور الدولة في حماية النظام النقدي.
العملة اللبنانية خسرت أكثر من 90% من قيمتها مقابل الدولار منذ 2019، فمن حوالي 1500 ليره لبنانيه للدولار الأمريكي انهارت سريعاً الليرة لتصل إلى من 85000 إلى 100000 ليرة للدولار.

أولًا: جذور الأزمة – عندما يتحول النظام المصرفي إلى أداة لتمويل الدين العام
لم تكن الأزمة اللبنانية نتيجة صدمة خارجية مفاجئة، بل حصيلة اختلالات هيكلية مزمنة، أبرزها:
1. تزاوج المالية العامة بالقطاع المصرفي
حيث تحوّلت المصارف التجارية إلى المموّل الرئيسي للدين العام، ما أدى إلى تركّز المخاطر السيادية داخل النظام المصرفي.
- سياسات نقدية غير مستدامة
اذ اعتمد مصرف لبنان على أدوات مالية معقّدة للحفاظ على استقرار سعر الصرف، ما أدى عمليًا إلى استخدام ودائع الناس لتمويل هذا الاستقرار مؤقتًا، بدل توجيهها للاستثمار في الإنتاج والاقتصاد الحقيقي.- غياب الشفافية والمساءلة
لم يتم الإعلان المبكر عن حجم الخسائر الحقيقية، وتأخر الاعتراف بما يُعرف بـ الفجوة المالية، ما سمح بتآكل حقوق المودعين بشكل تراكمي.
- غياب الشفافية والمساءلة
فانخفضت قيمة أصول المصارف من حوالي 217 مليار دولار عام 2019 إلى نحو 104 مليارات دولار بحلول 2024، فيما تقلصت ودائع العملاء من نحو 172 مليار دولار إلى نحو 88 مليار دولار في نفس الفترة.
ثانيًا: قانون استعادة الودائع يمثل معالجة متأخرة لكنها ضرورية
يأتي مشروع قانون معالجة الفجوة المالية واستعادة الودائع كمحاولة لوضع إطار قانوني لما كان يُدار سابقًا بالأعراف والقيود غير القانونية.
من أبرز السمات الاقتصادية للقانون:
• الاعتراف الرسمي بالخسائر وتحديد أطراف تحمّلها (الدولة، المصرف المركزي، المصارف).
• حماية نسبية لصغار ومتوسطي المودعين عبر إعادة الودائع حتى سقف محدد خلال فترة زمنية.
• تحويل جزء من الودائع الكبيرة إلى أدوات مالية طويلة الأجل، ما يعني عمليًا إعادة هيكلة الودائع.
• إدخال مفهوم تقاسم الخسائر (Burden Sharing) بدل تحميلها لطرف واحد.
وفق تصريحات الحكومة، 85% من المودعين يمكن أن يستعيدوا كامل ودائعهم خلال أربع سنوات ضمن إطار هذا القانون.
ثالثًا: إشكاليات القانون وحدوده:
رغم أهميته، يواجه القانون عدة إشكاليات جوهرية:
1. غياب التمويل الواضح
فإعادة الودائع دون تحديد مصادر حقيقية للنقد الأجنبي يجعل التنفيذ رهين النمو الاقتصادي أو بيع الأصول العامة.
2. تمديد أمد الأزمة
فالسداد طويل الأجل قد يحوّل الخسائر الآنية إلى عبء مزمن، يقيّد الاستثمار والنمو لسنوات.
3. محدودية المساءلة الفعلية
فدونما محاسبة واضحة للإدارة المصرفية وصنّاع القرار النقدي، تبقى المخاطر الأخلاقية قائمة، ومخاطر السمعة وضعف الثقة متوقعة.
في ظل استمرار الأزمة، ثمة مؤشرات -حتاج إلى التيقن منها- إلى أن نصف الودائع تقريبًا قد تآكلت أو خسرت قيمتها الحقيقية منذ 2019 بسبب الانهيار النقدي وعمليات إعادة التقييم غير المنظمة.
رابعًا: الدروس المستخلصة – ما الذي يجب ألا يتكرر؟
- لا استقرار نقدي دون انضباط مالي
تجربة لبنان تؤكد أن تثبيت سعر الصرف أو حماية العملة لا يمكن أن يتم عبر المصارف وحدها، بل يتطلب مالية عامة منضبطة وإصلاحًا ضريبيًا حقيقيًا.
فانكماش الناتج المحلي الإجمالي اللبناني تجاوز 40% منذ 2019، وهو دليل على عمق التأثير الذي يتجاوز قطاع المصارف وحده، ليمس الاقتصاد الحقيقي بأسره، وتصبح المسألة أكثر تعقيداً حينما تكون المصارف أحد أسباب خلق التشوه والانفلات في المالية العامة.
- حماية الودائع ليست شعارًا بل منظومة
غياب نظام فعال لضمان الودائع، وضعف الحوكمة المصرفية، جعلا المودعين الحلقة الأضعف. فأي نظام مصرفي سليم يحتاج:
• قواعد صارمة لإدارة المخاطر
• فصلًا حقيقيًا بين المصارف والدولة
• شفافية فورية في الميزانيات
- تأخير الاعتراف بالخسائر يضاعفها
أخطر ما في التجربة اللبنانية ليس حجم الخسائر، بل تأجيل الاعتراف بها، ما سمح بتهريب الأموال، وتآكل الودائع، وانهيار الثقة.
- التشريع لا ينجح دون إصلاح شامل
قوانين استعادة الودائع لا يمكن أن تنجح بمعزل عن:
• إصلاح مصرف لبنان
• إعادة هيكلة المصارف
• تحفيز الاقتصاد الحقيقي (إنتاج، تصدير، استثمار)
ختاماً
التجربة اللبنانية يجب أن تُقرأ كتحذير مبكر لأي ممارسات مشابهة للحالة اللبنانية.
فالقانون اللبناني الأخير خطوة متأخرة لكنها ضرورية على طريق الخروج من الأزمة، إلا أنه يذكّر بأن إدارة الأزمات لا تُقاس بنصوص القوانين وحدها، بل بتوقيتها، شفافيتها، وعدالتها، ومؤشرات اداء تلك القوانين.
التجربة اللبنانية تتضمن خسائر مالية تُقدّر بعشرات المليارات من الدولارات وانخفاض مثير في القوة الشرائية للعملة المحلية، إذ تضرّرت القدرة الشرائية للمودعين بشكل غير مسبوق.
عندما تتحول المصارف إلى أداة لتمويل الانفاق، ويُستبدل الإصلاح بالترحيل، تصبح أموال المدعين لدى المصارف، وقود الأزمة لا ضحيتها فقط.
وهي دروس بالغة الأهمية لكل دولة تسعى لحماية عملتها، ومودعيها، واستقرارها الاقتصادي قبل فوات الأوان.
ان قانون لبنان الجديد يمثل عملية جراحية ضرورية ومعقدة بعد استفحال المرض.
الكاتب هو المستشار مصطفى المانع هو محامٍ ليبي وخبير قانوني واقتصادي منذ أكثر من 24 عامًا، عمل مع عدد من المؤسسات الاستثمارية والصناديق السيادية والبنوك في عدد من دول العالم بالإضافة إلى ليبيا، ويعمل كخبير لمراكز بحثية دولية، وعمل لسنوات كمستشار لمحافظ مصرف ليبيا المركزي، وترأس وكان عضواً بعدد من الفرق التنفيذية بالمصرف المركزي كلجنة سعر الصرف وفريق الخطة الاحترازية وفريق التدقيق وفريق استعادة الثقة، كما أنه عضو بمجلس إدارة المؤسسة الليبية للاستثمار والمصرف الليبي الخارجي، كما مثّل ليبيا في اجتماعات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، كما يرأس الفريق التنفيذي لمبادرات رئيس الوزراء والمشروعات الاستراتيجية، كما عمل خبيراً ومحاضراً مع نقابة المحامين الأمريكية، وعضواً معتمداً برابطة محامي أوروبا، كما أنه عضو المجلس الليبي الامريكي للتجارة والاستثمار، وله عدد من البحوث والمقالات المنشورة بالصحف العربية والأمريكية والأوروبية، وله آراءه الجريئة في ملفات التحول الاقتصادي والمالي.