Skip to main content
"المانع" يكتب: حرب ايران إلى أي مدى سترفع أسعار النفط؟
|

“المانع” يكتب: حرب ايران إلى أي مدى سترفع أسعار النفط؟

كتب المستشار “مصطفى المانع” مقالاً بعنوان حرب ايران إلى أي مدى سترفع أسعار النفط؟ والذي نشره عبر موقع عربي 21

https://arabi21.com/story/1742945/%D8%AD%D8%B1%D8%A8-%D8%A5%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D8%A3%D9%8A-%D9%85%D8%AF%D9%89-%D8%B3%D8%AA%D8%B1%D9%81%D8%B9-%D8%A3%D8%B3%D8%B9%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%81%D8%B7

في كل مرة تتصاعد فيها التوترات في الشرق الأوسط، يعود النفط ليكون المؤشر الأكثر حساسية للتطورات السياسية والعسكرية. واليوم، ومع اتساع رقعة الحرب المرتبطة بـ إيران، تدخل الأسواق مرحلة إعادة تسعير شاملة للمخاطر، حيث لا يُسعَّر النفط على أساس الواقع القائم فقط، بل بمراعاة الاحتمالات المستقبلية أيضاً.

لذلك لم يعد السؤال الجوهري “هل سترتفع الأسعار؟”
بل أصبح: إلى أي مدى يمكن أن تستمر هذه الارتفاعات؟
وهل هي مدفوعة بأساسيات السوق أم بالخوف؟

أولاً: الجغرافيا السياسية كعامل حاكم في المعادلة

تكمن خطورة المشهد الحالي في موقع إيران الاستراتيجي، لا في حجم إنتاجها وحده (يبلغ إنتاج إيران حالياً قرابة 3 – 3.2 مليون برميل يومياً). فالعالم لا ينظر فقط إلى الصادرات الإيرانية، بل إلى موقعها المطل على مضيق هرمز، الذي يمر عبره ما يقارب ثلث تجارة النفط المنقولة بحراً (نحو 20 – 21 مليون برميل يومياً، أي ما يقارب 30% من تجارة النفط البحرية العالمية)، إضافة إلى قرابة 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال عالمياً.

أي تهديد فعلي لحركة الملاحة في هذا الممر يخلق ما يُعرف في أسواق الطاقة بـ “علاوة المخاطر الجيوسياسية”، وهي زيادة في السعر لا تعكس نقصاً فعلياً في الإمدادات، بل احتمال حدوث النقص.

تاريخياً، كل الأزمات التي اقتربت من هذا المضيق دفعت الأسعار للارتفاع الحاد، حتى قبل أن يتعطل أي تدفق فعلي للخام.

ثانياً: أوبك+ كلاعب مهم في معادلة السوق

لا يمكن قراءة تأثير الحرب على أسعار النفط بمعزل عن دور تحالف أوبك+ (الذي يمثل نحو 40% من الإنتاج العالمي، وأكثر من 50% من الصادرات النفطية العالمية). فإيران، بوصفها عضواً في هذا التكتل، لا تُقاس أهميتها بحجم إنتاجها وحده، بل بموقعها داخل منظومة تنسيق الإمدادات العالمية. تأثيرها الحقيقي يتجلى في الكيفية التي قد يعيد بها الصراع تشكيل مواقف بقية المنتجين وقراراتهم.

إذا تطورت المواجهة العسكرية وامتداد أثرها إلى إمدادات المنطقة، ستتخطى دائرة الاهتمام بايران، إلى قدرة التحالف على التحرك السريع لاحتواء الصدمة،
ومدى قدرة الدول الأخرى على ضخ كميات إضافية في وقت قصير لطمأنة السوق ومنع انفلات الأسعار؟

من الناحية النظرية، تمتلك بعض الدول الخليجية طاقة إنتاجية احتياطية تُقدَّر ما بين 3 – 4 ملايين برميل يومياً يمكن أن تسد جزءاً من أي فجوة محتملة. غير أن تحويل هذه القدرة النظرية إلى إمدادات فعلية يتطلب توافر شرطين أساسيين: توافقاً سياسياً داخل التحالف، وبيئة أمنية مستقرة تسمح بزيادة الإنتاج والتصدير دون مخاطر إضافية. وفي ظل تصعيد عسكري مفتوح، قد يصبح تحقيق هذين الشرطين أكثر تعقيداً، ما يضع السوق أمام حالة ترقب حذِر تتجاوز الحسابات الفنية إلى حسابات الجغرافيا السياسية.

ثالثاً: العرض كمحرك للأسعار

من منظور العرض، لا تشير المعطيات حتى الآن إلى وجود انقطاع واسع أو فعلي في الإمدادات العالمية (إجمالي الإمدادات العالمية يدور حالياً حول 101 – 103 ملايين برميل يومياً). الإنتاج مستمر، والصادرات من أغلب الدول الرئيسية لم تتوقف بصورة مؤثرة. ومع ذلك، يشهد خام برنت تقلبات حادة صعوداً وهبوطاً، وهو ما يعكس توتراً استباقياً في السوق أكثر مما يعكس نقصاً حقيقياً في البراميل المتاحة.

السوق بطبيعته لا ينتظر حدوث العجز، بل يسعر بناءً على الاحتمالات. لذلك، تتحرك الأسعار بناءً على تقدير المخاطر المرتبطة بإمكانية تضرر الإمدادات في منطقة الخليج، لا على أساس فجوة قائمة فعلياً بين العرض والطلب.

في أزمات سابقة، اعتادت مؤسسات مالية كبرى على وضع سيناريوهات تعتمد على انخفاض التدفقات النفطية بشكل محدود (1 – 2 مليون برميل يومياً)، ما يقود إلى ارتفاعات محسوبة، وسيناريو تصعيد واسع يفترض تعطيل كبير في الخليج (5 – 10 ملايين برميل يومياً)، ما يدفع الأسعار لتجاوز 120 دولاراً للبرميل نتيجة صدمة عرض حقيقية.

غير أن الفارق بين هذين المسارين جوهري. فالسيناريو المرجّح عادةً يستند إلى استمرار التدفقات مع ارتفاع علاوة المخاطر، بينما السيناريو الكارثي يفترض انقطاعاً مادياً في الإمدادات. وفي الأيام الأولى للأزمات، تميل الأسواق إلى تضخيم الاحتمال الأسوأ، فتضيف إلى السعر ما يمكن وصفه بـ”تأمين نفسي على التوقع الأسوأ”، سرعان ما يتراجع إذا لم يتحقق النقص الفعلي في العرض.

لذلك السعر الآن لا يزال يتحرك تحت ضغط “احتمالات” اضطراب العرض، لا تحت وطأة عجز حقيقي في الكميات المعروضة.

رابعاً: حالة الاقتصاد العالمي كمؤثر مباشر

هنا تكمن نقطة التوازن المهمة، فالاقتصاد العالمي حالياً ليس في حالة توسع قوي (معدل نمو عالمي يقارب 2.5 – 3%). الطلب الصيني يتباطأ نسبياً (نمو طلب أقل من 500 ألف برميل يومياً هذا العام مقارنة بزيادات تجاوزت مليون برميل يومياً في سنوات سابقة)، والنمو الأوروبي هش، والبنوك المركزية لا تزال حذرة تجاه التضخم.

تقارير الوكالة الدولية للطاقة تشير في توقعاتها الأخيرة إلى أن نمو الطلب العالمي على النفط هذا العام يدور حول 1 – 1.2 مليون برميل يومياً، وهو أقل زخماً مقارنة بفترات التعافي السابقة.

وهذا يعني أن أي ارتفاع حاد في الأسعار قد يكون محدود الزمن، لأن الأسعار المرتفعة نفسها تضعف الطلب، فتبدأ آلية تصحيح ذاتي في السوق

خامساً: السيناريوهات الواقعية للأسعار

1- سيناريو هرمز (الأكثر ترجيحاً)

في حال استمرار التوتر دون إغلاق مضيق هرمز، وعدم استهداف واسع للبنية التحتية النفطية، نتوقع تقديرات الأسعار مابين 85–100 دولار للبرميل.
السيناريو محكوم بقاعدة ارتفاع نسبي، متأثراً بعلاوة المخاطر وليس بأزمة إمداد فعلية.

2- سيناريو التصعيد
في حال طالت الحرب منشآت أو ناقلات، وحدث اضطراب مؤقت في الشحن البحري، قد ترتفع الأسعار ما بين 105–120 دولاراً للبرميل.
السيناريو محكوم بقاعدة صدمة نفسية، وسوق مضطرب لكنه قابل للاحتواء.

3- سيناريو انقطاع الإمدادات
في حال حصول تعطيل طويل لمضيق هرمز، وانقطاع الإمدادات الخليجية، قد ترتفع الأسعار إلى 130 دولاراً للبرميل أو أكثر، السيناريو محكوم بقاعدة صدمة عرض حقيقية.

ختاماً، من وجهة نظري التحليلية،
• نحن حالياً في مرحلة تسعير بالاحتمالات لا الحقائق.
• السوق يتحرك وفق منطق الخوف أكثر من منطق الأرقام.
• إغلاق مضيق هرمز لفترة طويلة ليس قراراً بسيطاً؛ لأنه سيضر جميع الأطراف، بما فيها إيران نفسها. كما أن القوى الكبرى لن تسمح بانقطاع مطول للإمدادات دون تدخل مباشر.
• أي قفزات فوق 120 دولاراً ستكون مؤقتة ما لم يحدث تعطيل فعلي واسع.
• قد تتجه الأسعار إلى الاستقرار في نطاق مرتفع نسبياً، لكنه غير انفجاري.
• نحن أمام سوق متوتر، لا أمام أزمة طاقة شاملة حتى الآن.
• ما يحدد الاتجاه النهائي للأسعار ليس المدافع، بل مدى تعطل الإمدادات فعلياً.

وفي كل الأحوال، يظل النفط مرآة للسياسة، وأسعاره اليوم تعكس قلق العالم، أكثر مما تعكس نقصاً حقيقياً في البراميل.

مشاركة الخبر