كتب رجل الأعمال الليبي “حسني بي” مقالاً قال فيه: منشأ التضخم وانهيار الدينار يرجع لقاسم مشترك واحد “إنفاق بالعجز ثلاثي الأبعاد”، والمواطن يتساءل: لماذا يتكرر سيناريو تدهور الدينار؟ ومن يدفع الثمن؟
منذ عقود طويلة، وكل ليبي يلاحظ تكرار المشهد نفسه، وكأننا ندور في حلقة مفرغة لا نتعلم من سابقاتها: سلسلة الانهيار في القيمة الشرائية والتضخم تبدأ بخلق النقود لتمويل نقدي لعجز بالميزانية، التمادي والاستمرار بسعر إداري ثابت للعملة، ومع توسع الفجوة السعرية بين الرسمي والموازي ننتقل ، تنشط المضاربة والطلب على الدولار ، يتبعه فرض رسوم، ثم نتيقن أنه لا خيار غير تغيير سعر الصرف، ثم إقرار سياسات تضييق اقتصادي بدلًا من الانفتاح، في بلد خُلق ليكون بلد تجارة عبور حرة ويفترض ان يكون بلد انفتاح كامل، لا بلد إغلاق وخنق اقتصادي بدون هدف وبدون بدائل نافعة الا توضيف كل ليبي ، تنتهي إلى مزيدا من الافاق العام و منها النمو بالانتاج .
في كل دورة اقتصادية نفطية ، وعند انخفاض إيرادات النفط، يتبعه إنفاق بالعجز، تنتج أزمة مالية ومنها:
• يضعف الدينار
• ترتفع الأسعار
• تختفي السيولة
• يصبح الراتب غير كافٍ قبل منتصف الشهر
ومع ذلك، تستمر السياسات نفسها، رغم أن البلد لا يحتاج إلى التضييق بل إلى الانفتاح. السياسات يجب أن تكون عكس الدائرة الاقتصادية.
والسؤال الذي يتكرر دائمًا: من المسؤول؟ ولماذا نحن المواطن من يدفع الثمن في كل مرة؟ وهل هناك غير المواطن ليدفع الثمن مثلا الحكومة؟
ماذا حدث فعليًا؟
للأسف، لم نكتشف بعد دورنا الاقتصادي الحقيقي، إذا ما أخذنا في الاعتبار موقع ليبيا الجغرافي، وثقافة شعبها، وطبيعة اقتصادها.
المواطن الليبي لم يُتح له أن يعمل بحرية ويبدع فيما يتميز به، بل فنرض عليه قيود متعددة ومنها الضرائب المستترة مثل فارق المضاربة ، ودون أن تُفرض عليه ضرائب بقانون واضح لصالح المالية العامة ، بل يواجه ضغوطا بكل انطلاقة جديدة .
بدلًا من التسهيل والتشجيع تصبح المناداة بالتنوع مجرد شعار ترفي ، بالوقت ذاته فُرضت عليه ضرائب خفية عبر الواقع اليومي، مثل:
- تكلفة المضاربة
• التضييق على حرية الاختيار والعمل
• منافسة الشركات الممولة من المال العام
• فرق سعر الدولار وحرق الصكوك
• الغلاء المبالغ فيه
• نقص السيولة
هذه ليست ظواهر او تحاديات طبيعية او تنافسية ، بل قرارات وسياسات حدّت من نشاط المواطن، وسحبت الأموال من جيبه دون أن يشعر ( اتها ضريبة مستترة يدفعها الجميع للقلة ).
من الذي خسر؟
تشير التقديرات إلى أن نحو 60% من الليبيين يعملون في الوضيفة العامة، وأن كل أسرة ليبية خسرت خلال هذه السنوات ما يقارب 61 ألف دينار بسبب المضاربة بمختلف أشكالها، وهو ما يعادل أكثر من 150% من متوسط دخلها السنوي بالوضيفة .
نتيجة المضاربة وحرق الصكوك كانت:
• إفقار غالبية الشعب
• وإثراء فئة محدودة
• دفع الشعب كلفة المضاربة دون أن يُقال له: هذه ضريبة، أو لماذا تُفرض، أو أين تذهب
هل المواطن المستفيد من التشوهات هو الفاسد؟
كثيرًا ما نسمع اتهام المواطن بأنه:
• استغل بطاقة 2000 دولار مقابل تربح 2000-3000 دل
• أو باع حقه وحقق ربحًا لا يتعدى 2000 دل
لكن الحقيقة أن هذا المواطن خسر أكثر مما ربح، إذ إن التضخم التهم دخله من التشوه ، وأفقده ما لا يقل عن ألف دينار اضافية من قوته الشرائية، رغم حصوله على 2000 دينار من خلال بيع حقه بالأغراض الشخصية.
فلنكن صادقين:
هل نلوم أبًا اضطر لبيع حقه لعلاج مريض عند الحاجة؟
هل نلوم أسرة احتاجت المال لتزويج ابنها ولم تجد معينًا؟
وحتى المصنع أو التاجر الذي مُنح اعتمادًا: هل هو من وضع السياسة التي خلقت المضاربة؟
أم أنه استغل فرصة متاحة، ولو لم يفعل لفعلها غيره؟
المشكلة ليست في الناس، بل في تكسكنا بنظام اقتصادي ثبث فشله من خلال نموذج يُكرر الأخطاء ذاتها منذ عام 1982.
أصل الداء: تعدد أسعار الدولار الناتج عن جمود سعر الصرف .
عندما يكون للدولار:
• سعر رسمي مُقرر إداريًا “منخفض”
• وسعر أو أكثر في السوق
فإن فرق السعر لا يختفي، بل:
• يتحول إلى ربح سريع لفئة قليلة
• ويدفع ثمنه كل الشعب عبر الغلاء
المصرف المركزي باع مليارات الدولارات بأسعار منخفضة:
بين 1982 و2002
ثم تكرر الأمر بين 2013 و2018
وأُعيد مرة أخرى في 2024
وفي عام 2025 باع المركزي، بناءً على آخر تقرير:
• 8 مليارات دولار للأغراض الشخصية
• 15 مليار دولار للاعتمادات
لكن ماذا حققنا؟
• الأسعار لم تنخفض
• السيولة لم تتحسن
• بل زادت معاناة المواطن
إذًا، أين ذهب فرق السعر؟
ذهب كريع… لا كفائدة للشعب.
هل المواطن أو التاجر أو السوق الموازي هم السبب؟
لا.
انتهاز الفرصة من قبل المواطن أو التاجر أو المصنع أو السوق الموازي نتيجة طبيعية، وليس سبب المشكلة.
السبب الحقيقي هو:
• سياسات قديمة فاشلة تتكرر من خلال السعر الثابت
• الإصرار على السعر الإداري للعملة
• خلق أكثر من سعر للدولار
• تنتج زيادة الطلب على العملة الأجنبية
• غياب العدالة والشفافية
من يدفع الثمن؟
دائمًا:
• الموظف
• المتقاعد
• ربّ الأسرة
• صاحب الدخل المحدود
ببساطة: كل الشعب، باستثناء قلة قليلة.
ما هو الحل؟ (ببساطة)
الحل ليس معقدًا ولا يحتاج شعارات:
أولًا: سعر واحد للدولار
لا سعر رسمي ولا سعر سوق
لا رسوم ولا استثناءات
سعر واحد واضح للجميع
يُباع الدولار لمكاتب الصرافة بسعر يُحدد أسبوعيًا، مبني على متوسط سعر السوق في الأسبوع السابق، منخفضًا بنسبة 5%، وتلتزم مكاتب الصرافة ببيعه بهامش خدمة لا يتجاوز 2%.
ثانيًا: تعويض المواطن مباشرة
من الإيراد الإضافي الناتج عن تعديل سعر الصرف (مثل 7.500 دينار للدولار)، يتم:
• تعويض كل مواطن نقدًا بمقدار ما كان يحققه من بيع حقه للأغراض الشخصية (2000 دينار سنويًا)
• تُدفع في شكل علاوة غلاء معيشة نقدية على 12 شهر وبحسابه
• بعدالة وبدون استثناءات
ثالثًا: توحيد السعر ينهي المضاربة ويخفض الطلب على الدولار
• إنهاء السوق الموازي
• توفير الدولار للجميع
• عبر المصارف ومكاتب الصرافة
• بسعر عادل وشفاف ومعلوم
رابعًا: حل أزمة السيولة
عندها:
• يعود الكاش
• ينتهي حرق الصكوك
• تُستعاد الثقة في المصارف
الخلاصة
ما حدث خلال السنوات الماضية لم يكن إصلاحًا اقتصاديًا،
بل تحميل المواطن ضرائب مستترة وكلفة أخطاء لم يصنعها.
الحل لا يكون:
• باتهام المواطن
• ولا بمطاردة التاجر
• ولا بالشعارات
بل يكون بـ:
• العدالة
• الوضوح
• سعر صرف واحد
• ودولة تقف مع مواطنيها لا عليهم
الدينار لن يتعافى إلا عندما يشعر الليبي أن دولته تحميه…
لا تستنزفه بتكرار الأخطاء نفسها.