Skip to main content
“حسني بي”: إدارة الندرة في الاقتصاد الليبي.. كيف نُحوّل فرق سعر الدولار إلى منفعة عامة؟
|

“حسني بي”: إدارة الندرة في الاقتصاد الليبي.. كيف نُحوّل فرق سعر الدولار إلى منفعة عامة؟

كتب رجل الأعمال “حسني بي”:الاقتصاد في جوهره هو علم إدارة الندرة، أي إدارة الموارد المحدودة وفق الواقع، بعيدًا عن الأمنيات. لذلك فإن أي نقاش اقتصادي جاد يجب أن ينطلق من قراءة الواقع كما هو، لا كما نرغب أن يكون.

المشكلة الاقتصادية في ليبيا اليوم ترتبط أساسًا بحجم الإنفاق العام وهيكله. فالتقديرات تشير إلى إنفاق يقارب:

نحو 70 مليار دينار مرتبات

حوالي 14 مليار دينار مصروفات تسييرية

قرابة 98 مليار دينار دعم للمحروقات

نحو 18 مليار دينار دعم مباشر

وبرامج تنمية تتجاوز 70 مليار دينار

ليصل إجمالي الإنفاق العام إلى حوالي 270 مليار دينار.

في المقابل، لا يتم توريد كامل إيرادات النفط إلى الخزانة العامة، رغم أن عائدات الإنتاج تُقدّر بحوالي 36 مليار دولار (31 مليار دولار من النفط الخام و5 مليارات من الغاز). ومع وجود آليات مثل المقايضة وتفويض الدفع بالإنابة، أصبحت الصورة المالية غير مكتملة، وابتعدت الحسابات العامة عن مسارها الطبيعي.

نتيجة لذلك أصبح الإنفاق بالعجز أمرًا شبه حتمي، خاصة في ظل غياب ميزانية عامة موحدة، واستمرار سياسات سعر الصرف الثابت التي أثبتت التجارب فشلها على مدى عقود.في هذا السياق، يبرز تأثير تعدد أسعار الصرف (رسمي، إداري، سوق نقدي)، حيث يتحمل المواطن في النهاية تكلفة هذا التفاوت عبر ارتفاع أسعار السلع والخدمات، بينما لا تتحمل المؤسسات الحكومية خسارة مباشرة.

كيف يتحول فرق سعر الدولار إلى عبء على المواطن؟خلال عام 2025 تم بيع نحو 25 مليار دولار للاستيراد. ورغم أن السعر الرسمي للدولار يبلغ حوالي 6.30 دينار، فإن كثيرًا من السلع تُسعَّر في السوق وفق سعر أعلى بكثير، وبحساب تقريبي للفارق:

إذا كان التسعير على أساس 8 دنانير للدولار فإن الفرق يبلغ نحو 42.5 مليار دينار.

عند 9 دنانير للدولار يصل الفرق إلى حوالي 67.5 مليار دينار.عند 10 دنانير للدولار يرتفع الفرق إلى نحو 92.5 مليار دينار. وإذا بلغ السعر 11 دينارًا للدولار فقد يصل الفرق إلى 117.5 مليار دينار.بمعنى آخر، دفع المواطن الليبي عمليًا ضريبة غير مباشرة تتراوح بين 42.5 و117.5 مليار دينار نتيجة الفرق بين السعر الرسمي وسعر السوق.

المشكلة ليست فقط في وجود هذا الفارق، بل في من يستفيد منه. فهذه الأموال لم تتحول إلى إيرادات عامة للدولة، بل تحولت إلى أرباح إضافية لمن تمكنوا من الحصول على الدولار بالسعر الرسمي عبر الاعتمادات التجارية أو المخصصات الشخصية.

الحل الواقعي؛ معالجة هذه المشكلة لا تكون بتجاهلها، بل بإدارتها بشفافية وعدالة من خلال خطوات عملية، أهمها:

أولًا: تقريب سعر الصرف من الواقع السوقي

توحيد أو تقريب سعر الصرف يقلل من المضاربة ويحد من الأرباح غير المبررة الناتجة عن الفارق الكبير بين السعر الرسمي وسعر السوق.ثانيًا: تحويل فرق السعر إلى إيراد عام يمكن فرض رسم رسمي على بيع الدولار بحيث يدخل مباشرة إلى الخزانة العامة بدل أن يتحول إلى أرباح خاصة.

ثالثًا: إعادة توجيه العائد لصالح المواطن نقديا  ، يمكن استخدام جزء كبير من هذه الإيرادات لدعم المواطنين بشكل مباشر، بينما يُخصص الجزء المتبقي لتحسين الخدمات العامة.

شخصيًا أفضّل التوزيع المباشر للعائد على المواطنين، سواء من فرق سعر الصرف أو من خلال الاستبدال النقدي لدعم المحروقات الذي يبلغ نحو 98 مليار دينار.

بهذه الطريقة يتحول فرق سعر الصرف من عبء خفي يتحمله المواطن إلى مورد اقتصادي يعود بالنفع على المجتمع كله.

إن إدارة الواقع الاقتصادي لا تعني الاستسلام له، بل تعني تحويل التحديات إلى فرص لبناء سياسات أكثر عدالة وكفاءة.

مشاركة الخبر