Skip to main content
"حسني بي": عرض المشكلة الاقتصادية والمالية
|

“حسني بي”: عرض المشكلة الاقتصادية والمالية

كتب: رجل الأعمال “حسني بي” مقالاً

عرض المشكلة الاقتصادية والمالية يقوم أساساً على فهم هيكل الإنفاق العام وحجم الفجوات السعرية التي نشأت داخل الاقتصاد، فقد بلغ إجمالي الإنفاق العام نحو 270 مليار دينار ليبي، موزعاً بين المرتبات التي تصل إلى 70 مليار دينار، والمحروقات التي تكلف نحو 98 مليار دينار، إضافة إلى 14 مليار دينار للنفقات التسييرية، و18 مليار دينار للعلاوات المختلفة مثل علاوات الأطفال والمرأة والبنات والإمداد الصحي والبيئة والمياه، فضلاً عن إنفاق تنموي يتجاوز 70 مليار دينار.

وعند استبعاد تكلفة المحروقات، يصبح صافي الإنفاق نحو 172 مليار دينا”ر، ولتغطية هذا الإنفاق، يحتاج الاقتصاد إلى بيع عملة أجنبية بما لا يقل عن 160 مليار دينار، ما يجعل المصرف المركزي ملزماً ببيع الدولار بسعر صرف يسمح بتغطية إنفاق عام لا يقل عن هذا المستوى،
وتعود جذور الأزمة القائمة إلى عدة عوامل مترابطة، في مقدمتها الإنفاق العام المنفلت، حيث يتم الصرف دون ميزانية منضبطة وبمستويات تتجاوز الإيرادات العامة، ويتم تمويل هذا العجز عبر التمويل النقدي.

وقد أدى ذلك إلى نتائج واضحة، أهمها استمرار التضخم وتراجع القيمة الشرائية للدينار، كما ساهم التمويل النقدي في خلق فجوات سعرية داخل الاقتصاد، أبرزها فجوة في سعر الدولار تقدر بنحو 50%، إضافة إلى فجوة بين الكاش والصك تصل إلى نحو 20%.

ومن أخطر جوانب الأزمة ما يعرف بفجوة المحروقات، إذ تبلغ تكلفة المحروقات نحو 98 مليار دينار، بينما لا يتجاوز الإيراد الفعلي منها حوالي 3 مليارات دينار فقط، ما يعني وجود فجوة سعرية تتجاوز 3000%. وقد نتج عن هذه الفجوة انتشار التهريب والسرقة واستمرار نظام دعم مشوه قائم منذ أكثر من خمسين عاماً.

كما تحولت الفجوات السعرية، سواء في الدولار أو في الدينار بين الكاش والصك أو في دعم الوقود، إلى ما يشبه ضريبة مستترة يدفعها كل مواطن من خلال ارتفاع الأسعار وانخفاض الدخل الحقيقي، وهذه الضريبة لا تدخل إلى خزائن المصرف المركزي ولا إلى خزائن الحكومة، لكنها تُجبى فعلياً من جميع الليبيين، بينما تستفيد منها قلة عبر المضاربة.

ويُعد جزء مهم من فجوة الدولار ناتجاً عن بيع وشراء حقوق الحصول على مبلغ 2000 دولار، وهو حق مكتسب دون الحاجة إلى رأس مال، ما جعله أداة للمضاربة وأسهم بما لا يقل عن 30% من الفجوة في سوق العملة، كما أن بعض القرارات الأخيرة، مثل فرض رسم بنسبة 12% على 2000 دولار للأغراض الشخصية مع إعفاء 500 دولار مخصصة كعلاوة للأسرة، أدت إلى زيادة الفجوة السعرية بدلاً من تقليصها.

إلى جانب ذلك، أصبحت الاعتمادات أداة للمضاربة بسبب توفر فجوة سعرية مضمونة تقارب 30%، خاصة في الأغراض الشخصية لسهولة الحصول عليها وإعادة بيعها. أما فجوة الكاش والصك، فيعود سببها الرئيسي إلى هيكلة القاعدة النقدية، حيث كانت نسبة الكاش حتى عام 2024 تقارب 50% مع وجود احتياطي قانوني وتحفظ إضافي بالنسبة نفسها، لكن بعد سبتمبر 2025 انخفضت نسبة الكاش إلى نحو 25% فقط، ما أدى إلى ندرة الكاش وظهور فجوة سعرية ونشوء مضاربة حتى على الدينار نفسه.

وفي الخلاصة، يمكن القول إن الفجوات السعرية في الدولار والدينار والوقود أصبحت بمثابة ضرائب مستترة يدفعها الجميع، بينما تستفيد منها قلة، ولا يتم تحصيلها لصالح الدولة، لكنها تنعكس مباشرة في شكل تضخم متزايد واتساع دائرة الفقر.

ومن هنا تبرز الأسئلة الجوهرية: هل يمكن الاتفاق على أن جذور التضخم والفجوة السعرية تعود إلى الإنفاق العام غير المنضبط، والتمويل النقدي، والدعم المشوه، إضافة إلى فجوات الأسعار المصطنعة؟ والأهم من ذلك هو ما العمل، وكيف يمكن تحصيل هذه الضريبة المستترة بشكل رسمي عبر المصرف المركزي أو الحكومة، ثم إعادة توزيعها بعدالة على كامل الشعب، سواء نقداً أو عبر خدمات أو من خلال تخفيض تكاليف المعيشة، بما يعوض المواطن عن الخسارة التي يتحملها حالياً دون مقابل.

مشاركة الخبر