كتب رئيس قسم المحاسبة الأكاديمية الليبية “أبوبكر ابو القاسم” مقالاً قال فيه: المطبخ الليبي يغلي… بين ضغط الخارج ودعم الشارع، يبدو أن المشهد الاقتصادي في ليبيا يدخل مرحلة جديدة عنوانها “الضغط المركّب”، حيث يتقاطع الضغط الشعبي مع ضغط خارجي متزايد، في محاولة لكسر حالة الجمود وفتح ملفات طال انتظارها. فخروج قضايا مثل “أركنو” وأخواتها إلى العلن لم يعد مجرد حدث عابر، بل مؤشر على تحوّل في المزاج العام، ورغبة حقيقية في تفكيك منظومة الفساد التي أثقلت كاهل الاقتصاد لسنوات.
إن هذه التطورات، وإن كانت لا تزال في بداياتها، تحمل دلالة واضحة: لم يعد بالإمكان الاستمرار في إدارة الاقتصاد بنفس الأدوات القديمة. فالشارع الليبي بات أكثر وعياً، وأكثر إصراراً على ربط أي إصلاح اقتصادي بمبدأ المساءلة والمحاسبة، وليس فقط بالإجراءات الشكلية.
في المقابل، يبدو أن الضغط الخارجي—لا سيما من الأطراف الدولية الفاعلة—قد لعب دوراً محورياً في دفع بعض الأطراف نحو التنازل، خاصة فيما يتعلق بملف الإنفاق العام المنفلت . وتُشير المعطيات إلى وجود توافق مبدئي على توحيد الإنفاق التنموي وفقاً للإيرادات المتاحة، وهي خطوة—إن تحققت فعلياً—قد تمثل بداية لإعادة الانضباط المالي المفقود.
ولا يمكن إغفال الدور المتصاعد لـ مصرف ليبيا المركزي، الذي بدأ في إرسال إشارات إيجابية للأسواق من خلال تحركاته الأخيرة، سواء عبر تلبية الطلب على النقد الأجنبي أو عبر توجهه لعقد اجتماع لمجلس الإدارة لمواكبة هذه المتغيرات. هذه الخطوات، وإن بدت فنية في ظاهرها، إلا أنها تحمل في جوهرها رسالة طمأنة بأن السياسة النقدية بدأت تتفاعل بمرونة أكبر مع الواقع الاقتصادي.
وقد انعكست هذه المؤشرات سريعاً على السوق، حيث لوحظ تحسن نسبي في قيمة الدينار الليبي أمام الدولار في السوق الموازية، مدعوماً بارتفاع أسعار النفط وتحسن التدفقات النقدية. وهي إشارات، وإن كانت أولية، إلا أنها تعكس حساسية السوق لأي تحولات في بيئة الحوكمة والانضباط المالي.
غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في تحقيق هذه المؤشرات الإيجابية فحسب، بل في استدامتها. فالتجارب السابقة علمتنا أن أي تحسن مؤقت سرعان ما يتلاشى إذا لم يُدعّم بإصلاحات هيكلية حقيقية، تبدأ من مكافحة الفساد بشكل جذري، ولا تنتهي عند ضبط الإنفاق العام.
إن ما يحدث اليوم قد يكون فرصة نادرة لإعادة ضبط المسار الاقتصادي في ليبيا، شرط أن يُستثمر هذا الزخم—الشعبي والدولي—في بناء منظومة مالية أكثر شفافية وعدالة. فالمطلوب لم يعد فقط إيقاف “سبكة الفساد”، بل تفكيكها بالكامل، ومحاسبة كل من تورط فيها، بالتوازي مع ترسيخ قواعد إنفاق رشيد يربط بين الموارد والاحتياجات الفعلية.
في النهاية، تبقى الآمال معلقة على أن تتحول هذه المؤشرات إلى مسار إصلاحي مستدام، لا مجرد موجة عابرة. فليبيا لا تحتاج إلى حلول مؤقتة، بل إلى إرادة حقيقية تعيد بناء الثقة بين الدولة والمواطن، وتضع الاقتصاد على سكة الإصلاح الحقيقي