Skip to main content
خاص.. "القماطي": تجميد تدفقات الدولار إلى المركزي الليبي قد يحوّل الأزمة النقدية إلى أزمة غذاء ودواء
|

خاص.. “القماطي”: تجميد تدفقات الدولار إلى المركزي الليبي قد يحوّل الأزمة النقدية إلى أزمة غذاء ودواء

قال أستاذ الاقتصاد – جامعة بنغازي “د.حلمي أحمد القماطي” حصرياً لصحيفة صدى الاقتصادية: إن أخطر ما قد تواجهه ليبيا اليوم ليس ارتفاع سعر الدولار في السوق الموازية بل احتمال تعطيل تدفقات النقد الأجنبي إلى حسابات مصرف ليبيا المركزي بما في ذلك الإيرادات النفطية إذا تصاعد الخلاف حول شرعية إدارة المصرف ومسارات التحويلات المالية.

وأضاف: لقد شهدت ليبيا خلال أزمة المحافظ السابق الصديق الكبير تداعيات خطيرة للصراع على إدارة المصرف المركزي ولم تُفتح أبواب التسوية إلا عبر توافقات سياسية ودولية أفضت إلى ترتيبات جديدة لقيادة المصرف لكن تكرار السيناريو اليوم قد يكون أكثر تعقيد لأن الحل لا يتوقف على تغيير المحافظ بل على استعادة الثقة المؤسسية وضمان قبول التعليمات المصرفية الليبية لدى المؤسسات المالية الدولية
المشكلة.

حيث أن المجتمع الدولي إن اتجه إلى تعليق التحويلات أو تقييد التعاملات المالية فلن يدفع ثمن ذلك المسؤولون المتصارعون وحدهم بل سيدفعه المواطن الليبي من قوته الشرائية واحتياجاته الأساسية فتعطل تسوية الاعتمادات المستندية وتأخر تحويل مستحقات الموردين قد ينعكسان على حركة السلع في الموانئ وتكاليف الاستيرادوتوافر الغذاء والدواء والوقود حتى لو لم يرتفع سعر الدولار فوراً.

وبين أن الأكثر خطورة أن استمرار الانقسام بين المؤسسات الليبية قد يضعف فرص التوصل إلى تسوية سريعة خصوصاً إذا لم تتوافر صيغة تحظى بقبول مؤسسي واضح وتطمئن الأطراف الدولية إلى سلامة إدارة الإيرادات النفطية والمدفوعات الخارجية فالتجربة الليبية أثبتت أن القرارات المحلية مهما كانت لا تحقق أثرها الكامل إذا اصطدمت بانعدام الثقة والاعتراف في منظومة التعاملات المالية الدولية.

وأردف بالقول : اقتصادياً لا يكفي أن تمتلك ليبيا إيرادات نفطية أو أرصدة ماليةبل يجب أن تكون هذه الأموال متاحة وقابلة للتحويل والاستخدام المناسب فالدولارات التي يتعذر الوصول إليها لا تمول اعتماد مستندي ولا تسدد فاتورة دواءولا تضمن وصول شحنة غذاء.

وأشار إلى إننا أمام خطر يتجاوز سعر الصرف إلى الأمن الغذائي والدوائي والاستقرار الاجتماعي، ولذلك فإن المطلوب ليس مجرد صراع جديد على منصب المحافظ ولا معالجة شكلية لأزمة الثقة بل تسوية مؤسسية واضحة وشفافية كاملة في تدفقات الإيرادات النفطية وضمان استمرارية المدفوعات الخارجية وحماية احتياجات المواطنين الأساسية.

حيث إذا اردنا مسار عملي للحل علينا تحييد المصرف وحماية تدفقات النفط، كما إن الخروج من الأزمة يتطلب مساراً تنفيذي متزامن لا انتظار توافق سياسي شامل قد يستغرق أشهر ولا الاكتفاء بتغيير الأسماء والمواقع وأقترح في هذا السياق خمس خطوات عملية.

أولاً/ اتفاق مؤسسي عاجل ومحدد المدةتتفق الجهات الليبية المختصة على ترتيبات واضحة لإدارة المصرف المركزي، وفق القواعد القانونية النافذة مع تحديد الصلاحيات والتوقيعات المعتمدة وضمان عدم صدور تعليمات متعارضة
ويجب أن يستند الاتفاق إلى إجراءات موثقة لا إلى تفاهمات شفوية قابلة للانهيار.

ثانياً/ فتح قناة تواصل فنية مباشرة مع الشركاء الدوليين والمصارف المراسلة تتولى إدارة المصرف بالتنسيق مع الجهات الليبية المختصة تقديم الوثائق التي تثبت سلامة التفويضات والامتثال المالي وطلب تأكيد مكتوب بشأن استمرار تسوية التحويلات والإيرادات النفطية والاعتمادات القائمة والهدف هو منع انتقال الخلاف السياسي إلى تعطيل التعاملات المصرفية ومعالجة أي تعليق للمعاملات على أساس كل حالة على حدة.

ثالثاً/ إنشاء آلية شفافة لتتبع الإيرادات النفطية تطابق البيانات بصورة دورية بين المؤسسة الوطنية للنفط والمصرف الليبي الخارجي ومصرف ليبيا المركزي مع نشر بيان موحد يوضح قيمة ايرادات المحصلة والخصومات والتحويلات المنفذة والمبالغ المقيدة فعلياً وأسباب أي فروق، فالشفافية هنا ليست إجراء إعلامي بل ضمانة للثقة المحلية والدولية.

رابعاً // اعتماد خطة طوارئ لاستمرار الواردات الأساسية، تحصر الاعتمادات المستندية المفتوحة والالتزامات المستحقة ومخزونات الغذاء والدواء وتُعطى الأولوية للمدفوعات الضرورية وفق معايير معلنة وقابلة للتدقيق ويجري التنسيق مع المصارف المراسلة والموردين لتقليل تأخير الشحنات والإفراج عنهامن دون تجاوز القواعد القانونية أو خلق امتيازات غير مبررة لبعض المستوردين.

خامساً/ وضع ضمانات مؤسسية تمنع تكرار الأزمة تشمل هذه الضمانات نشر بيانات منتظمة عن التدفقات النفطية والنقد الأجنبي وإخضاع العمليات ذات المخاطر المرتفعة لرقابة مستقلة وتحديد آلية واضحة لتسوية الخلافات بشأن قيادة المصرف وصلاحياته بما يحمي السياسة النقدية من التجاذبات السياسية ويعزز المساءلة.

كما يجب تنفيذ هذه الخطوات ضمن جدول زمني معلن وإجراءات عاجلة خلال الأيام الأولى لتثبيت الصلاحيات وحماية المدفوعات ثم مطابقة البيانات وتسوية المشكلات التشغيلية خلال الأسابيع التالية يلي ذلك إقرار ضمانات رقابية ومؤسسية مستدامة.

وكذلك الأهم أن يكون التواصل الدولي هدفه ضمان استمرارية المعاملات المشروعة وحماية الاقتصاد الليبي لا أن يتحول المواطن إلى رهينة للخلافات السياسية، كما ينبغي ألا يفهم هذا المسارعلى أنه تفويض لأي طرف خارجي باختيار قيادة المصرف فالمطلوب هو حل ليبي يستند إلى القانون ويحظى بقبول مؤسسي وتُعالج من خلاله مخاوف الامتثال والشفافية بالتعاون مع الأطراف الدولية المعنية.

وأيضاً يبقى السؤال الذي ينبغي أن يشغل متخذي القرار، هل يدركون أن الصراع على المصرف المركزي قد ينتهي بتعطيل قدرة الدولة على استخدام أهم مواردها وأن المواطن سيكون الحلقة الأضعف في سلسلة الخسائر؟

حيث إن حماية المصرف المركزي ليست مسألة إدارية فحسب بل حماية للقدرة الشرائية والأمن الغذائي والدوائي واستقرار الاقتصاد الوطني والفرصة المتاحة اليوم هي الانتقال من إدارة الأزمة بعد وقوعها إلى منعها عبر اتفاق مؤسسي واضح وشفافية مالية، وضمانات عملية لاستمرار تدفق الإيرادات وتسوية المدفوعات.

وأختتم بالقول بأن احتمال تجميد الحسابات أو وقف تدفقات الإيرادات النفطية الوارد هنا سيناريو تحذيري وليس تأكيداً لصدور قرار دولي فعلي بهذا الشأن).

مشاركة الخبر