Skip to main content
"درباش" يكتب: الدينار في خطر
|

“درباش” يكتب: الدينار في خطر

كتب: أستاذ الاقتصاد “المبروك درباش” مقالاً

من ناحية السياسة النقدية فقط وليس باق الأسباب والعوامل، الحقيقة المؤلمة هي أن الدينار في خطر، مانراه اليوم هو تلاشى لقيمة الدينار أمام أعيننا، وفي مستقبل أقرب مما نظن. ففي العموم، الاقتصاد النفطي الذي يمول العملة عبر الاحتياطيات وليس الإنتاج، هو اقتصاد هش، ليس فقط لأنه اقتصاد ريع، بل لأنهُ يحمل في جواه مخاطر هيكلية عميقة. وطالما الاحتياطي مرتفع فالعملة تبدو مستقرة ولكن حالما ينقص سواء باتخاذ قرارات متسرعة كضخ عملة الدولار في السوق، أي استنزاف الاحتياطي، أو انخفاض في سعر النفط، يتحول هذا إلى أزمة نقدية، وتزداد وتيرة سقوط العملة المحلية آنذاك مع تفاقم كلا الحالتين، لأنهُ يوحي للمواطن بعدم استطاعة المركزي على دعم هذا الاحتياطي مستقبلا ً.

عندما يعي المواطن أن الحكومة أو الدولة تبيع العملة الصعبة باستمرار بينما الاقتصاد المحلي لا ينتج أو أن ما ينتجه لا يولد عملة أجنبية كافية، يصبح السلوك المنطقي للسوق والمواطن هو شراء الدولار كلما توفر، لأن الجميع يعرف أن المصدر الوحيد محدود. ومن هنا يتحول الاحتياطي نفسه إلى هدف للمضاربة.

الدينار الليبي اليوم صار يواجه مشكلة جديدة وهي عدم ثقة المواطنين، كل المواطنين؛ الّذين تنطبق عليهم شروط المركزي للصّدقة، أي الاعتمادات، و الّذين يخفون دنانيرهم تحت المتاريس. فهؤلاء المواطنين انهارت ثقتهم في الدينار، والذي صار يتهاوى بحسرة، ويُستبدل تدريجيا بالدولار، ليس فقط في التّداول بل تحت المتاريس أيضاً. وهذا ما يُسمى “بتوازن نقدي منخفض الثقة”(Low-credibility monetary equilibrium ). وهذا ما يدفع إلى واقع “الدولرة الشعبية”. و قد حدث هذا فعلاً في الأرجنتين مراراً، وفي لبنان عام 2019 وفي تركيا أيضاً.

لقد كان هذا مرتقباً عندما قرّر الليبيون تخزين أموالهم في بيوتهم بدلاً عن المصارف، في خطوة أولية لاعتبار الدولار هو العملة المحلية، وهذ مايسمى في علم الإقتصاد “بمخزن للقيمة”، إن انهيار العملة يبدأ عادة بالادخار قبل أن يظهر في التداول اليومي، اليوم عملة التخزين تحت المتاريس هي الدولار وليس الدينار، ناهيك عن معدل التضخم الذي صار أقرب إلى %30 منه لرقم دولة الدينار الرسمي. أو لنقل إن التضخم الفعلي المدفوع بسعر الصرف الموازي أعلى بكثير من الرقم الرسمي.

ما يحدث اليوم في ليبيا، من الناحية النقدية، أن المصرف المركزي خرج عن مساره الطبيعي والمناط به وفق قانونه كمنضم لعملية الفائدة، والائتمان، والسيولة، إلى إدارة مخزون الدولار فقط، ولهذا نراه يبحث عن مساعد وحليف في دكاكين الصرافة، وبالتالي، يتحول المصرف المركزي من صانع للسياسات النقدية إلى مُثبت اجتماعي لسعر الصرف.

وكل هذا صار يدفع بالدينار إلى منطقة غير معلومة من القاع، فلا أحد هنا يعرف عمق حفرة الأرانب هذه، و ما يخيفني في ليبيا، ومن ناحية السياسة النقدية فقط، هو أن يصل الاقتصاد إلى لحظة “اللاعودة النقدية”، حتى ولو تغير الوضع الاقتصادي إلى الأفضل.

مشاركة الخبر