كتب: محمد أحمد
أكتب اليوم عن موضوع اقتصادي له جوانب سياسية عديدة ومعقدة. فقد لاحظت أن أجهزة سيادية في الدولة الليبية تستعمل حجة تجنب الاقتراض من المؤسسات الدولية لتبرير توجهاتها فيما يتعلق بسياساتها التنفيذية والنقدية، حيث يتم اتهام أطراف محلية أو خارجية وفقا لنظرية المؤامرة بأنها تسعى للإيقاع بليبيا في ورطة الدين الدولي ليتم نهب ثروات البلد بطريقة غير مباشرة.
هذا الاستعمال حقيقة يستغل تخوف عميق غارق في اللاوعي لكثير من الشعوب عن مآسي اللجوء إلى التمويل من المؤسسات الدولية. ويجب التشديد هنا أن هذه المخاوف لم تأت من العدم بل هي انعكاس حقيقي لسوء استغلال الدول الكبرى الممولة لبرامج الإقراض عبر المؤسسات الدولية لتحقيق مصالحها عبر نفوذها السياسي في أوقات حرجة مقابل الدول الصغيرة والضعيفة التي قد لا تمتلك القدرة على المناورة (المثال الأكثر تداولا في تاريخنا هو امتناع البنك الدولي عن تمويل مشروع السد العالي في مصر الأمر الذي قاد إلى تأميم قناة السويس). ولكن في المقابل فأن الحكومات في دول نامية كثيرة ضخمت من هذه الواقعة السياسية لزيادة جرعة التخويف ومنع الشعوب من المطالبة بالمعونة الاقتصادية الخارجية التي ستجلب تدخلا سياسيا سافرا في الشئون السيادية الداخلية للدولة وأهم هذه الشئون المتعلقة بنوعية التمويل هي مسألة توزيع الثروة.
جانب آخر لهذا التخوف هو انتشار الفساد في الدول النامية المقترضة، والذي يفترض أن الحكومة ستقوم بالاستفادة من الأموال في مصالح فردية خاصة وربما سيفر هؤلاء الأفراد في نهاية المطاف ويتم توريط الشعب في دفع أقساط مرهقة للاقتصاد القومي. وبالرغم من أن آليات الإقراض لا تسمح بحدوث انتقال مباشر للأموال الدولية إلى قنوات الفساد المحلية كما سأتناول لاحقا في المقال، إلا أن هناك جزئية ركز عليها بعض الباحثين وهي أنه حتى وإن كان المشروع الممول دوليا ناجحا إلا أن قنوات الفساد في الدولة يمكن أن تستغل ذلك في الدعاية الخادعة أمام الرأي بتحقيق إنجازات لكسب الوقت بينما هي في نفس الوقت تستنزف موارد مالية محلية أخرى بالفساد.
الجدلية هنا أن الدولة خصوصا النامية يستحيل أن تخلق حركة تنموية في اقتصادها اعتمادا على مواردها المالية الذاتية فحسب. ربما في استثناءات معينة تستطيع بعض الدول المصدرة للموارد الطبيعية خصوصا النفطية منها أن تحقق فوائض مالية في فترات معينة تمكنها من الدفع بالعملية التنموية.
في العموم فأن التمويل الدولي يأتي من عدة مصادر هي:
القروض البنكية من المؤسسات الأممية.
أو القروض البنكية من البنوك الخاصة.
أو عبر إصدار سندات حكومية في السوق الدولية بالعملة الصعبة.
أو عبر شركات عالمية راغبة في الاستثمار المحلي في قطاع معين.
وأخيرا عبر الأسواق المالية المفتوحة.
أرفقت لكم بعض الاحصائيات مصدرها قاعدة بيانات البنك الدولي لمؤشرات التنمية العالمية عن الاستثمار الأجنبي المباشر المقارن إلى ليبيا عبر فترات زمنية مختلفة ومقارنة بدول نفطية قريبة من الاقتصاد الليبي هي الكويت وقطر. الاستثمار الأجنبي هنا هو صافي التدفقات النقدية من جميع المصادر أعلاه إلى الدولة (بمعنى أن التدفقات الاستثمارية الداخلة هي قيمة موجبة بينما التدفقات الاستثمارية الخارجة هي قيمة سالبة).
يمكن وببساطة ملاحظة أن ليبيا تخلت تطوعا عن مصدر التمويل الدولي حيث كان صافي التدفق النقدي إليها في 18 سنة ما يقارب 4 مليار دولار بينما حققت الكويت 60 مليار دولار وقطر 40 مليار دولار. ولا بد من الإشارة إلى أن التدفقات النقدية الاستثمارية الداخلة إلى ليبيا هي تقريبا تحت بند واحد وهو عبر الشركات العالمية المشاركة في إنتاج النفط والغاز فقط، بينما استعملت الكويت وقطر جميع المصادر أعلاه باستثناء القروض من المؤسسات الأممية.
هذا التخلف في استغلال فرص التمويل الدولي نتيجة للتخوف اللاواعي من هدر الثروة الليبية هو فعلا وساس قهري أضاع على ليبيا الكثير من الفرص الاستثمارية لصالح دول أخرى. لا يمكن اليوم استعمال المبرر السياسي الذي يقول بالاستقلال التام للقرار الوطني وتجنب تأثر نفوذ الدول الكبرى. صحيح أن هناك ضغوطا محتملة في الأفق خصوصا فيما يتعلق بهيكلية التأميم للصناعة النفطية إلا أن الاتجاه للتمويل الدولي خصوصا من المؤسسات الأممية سيضعف هذه الضغوط لا العكس. المشكلة الحقيقة هي أن المؤسسات الأممية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ترفض إقراض الدول النفطية بحجة أنها لا تحتاج للقرض الدولي وبإمكانها الحصول على التمويل من المؤسسات المالية الخاصة مقابل احتياطاتها النقدية الضخمة (تأكيدا النقدية وليست الطبيعية)، وهو ما قامت به دول مثل الكويت وقطر.
إذا بالنسبة لليبيا فأن إمكانية اقتراضها من المؤسسات الأممية هي شبه معدومة ليس فقط لأن ليبيا لديها ما يكفيها من احتياطات نقدية يمكن أن تقترض أمام قيمتهم، ولكن لأن حاجة الدول النامية الأخرى أكبر بكثير من قدرة هذه المؤسسات الأممية على مقابلتها.
من ناحية نظرية محاسبية وحتى سياسية فأن الحصول على قرض من البنك الدولي هو من أفضل الخيارات بالنسبة لليبيا، فهذا القرض سيسمح للدولة أن تحافظ على هيكلية تأميم النفط الليبي بتوفر موارد مالية إضافية للاحتياجات التنموية الاخرى، وسيسهم هذا التمويل في الدفع بالعملية التنموية مع تشجيع للقطاع الخاص. والقرض من المؤسسات الأممية فعليا سيكون أقل المصادر تهديدا من ناحية انتشار الفساد وفقا للآليات المتبعة في صرفه المرتبطة بتنفيذ المشاريع أو الاصلاحات الهيكلية تدريجيا وفقا للدفعات.
ولكن هذا للأسف غير متاح لذا فإن على الأجهزة السيادية التوقف عن التلميح بنظرية مؤامرة في هذا الصدد.
أما عن المستقبل فإن الاقتصاد الليبي لا يوجد أمامه طريق آخر سوى الاستدانة من الخارج للمحافظة على الاستدامة قفزا على الفوبيا التي تصيبنا ولكن في ظل ضبابية المشهد الليبي وتداخل السلطات وتشرذمها مع وجود أزمة حقيقية في الشرعية فإن ذلك لن يشجع أي مؤسسة مالية دولية على المخاطرة بتمويل أي جهة في ليبيا. وللتأكيد فإن المؤسسات الأممية كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي لن يقوما بتقديم أي قروض لليبيا لن تكون هي المصادر المحتملة للتمويل بل في الأغلب المصادر الأخرى التي أشرنا إليها أعلاه.


