كتب: د. عبدالله ونيس الترهوني – أخصائي اقتصاديات النقل
إن الاستحواذ على الأصول الليبية يُمثل التحدي الأكبر للاستثمارات الليبية في الخارج، والذي قامت به حكومات بعض الدول من خلال تأميم عدد من الشركات والأصول الليبية مُستغلين حالة الفراغ الذي تعيشه ليبيا منذ مايقارب عقد من الزمان، كما أن المؤسسة الليبية للاستثمار وأذرعها الاستثمارية هي طرف في عدد كبير من القضايا المرفوعة من/ضد المؤسسة أمام عدد من المحاكم خارج ليبيا، والتي وصلت إلى أعلى المحاكم درجة في بريطانيا، وكلفت ليبيا عشرات الملايين، ومازاد الطين بلة هو تشظي مؤسسات الدولة وإنشطارها والتنازع على شرعيتها، وكما كنت قد أشرت في الجزء السابق من المقال فإن بعض الصناديق والمحافظ الاستثمارية الليبية قد عجزت عن تحقيق أغراضها التي نصت عليها تشريعات إنشائها، بل أن بعضها لم يتمكن حتى من توظيف الأموال التي ضخت فيها بالكيفية المطلوبة، كما أن عدم وجود سياسات تحوط وإدارة مخاطر معتمدة لدى العديد من الشركات التابعة لأذرع المؤسسة هو الآخر تحدي حقيقي، وحتى وإن وُجدت فإنه لادراية ولاقدرة لدى بعض القائمين على الاستثمارات في تنفيذ سياسات التحوط وإدارة المخاطر، والتي بدورها فاقمت المشكلة وسبب تراكماً للخسائر من جهة، وزادت من ديون البعض الآخر من جهة أخرى، وسأكتفي بذكر حالة واحدة فقط وهي أنه وبحسب تقرير ديوان المحاسبة 2014 فإن شركة الاستثمارات الأفريقية (LAICO لايكو) قد بلغ عائدها (0) صفراً بالمقارنة مع حجم الأموال المستثمرة في مساهماتها والبالغة 774 مليون دينار ليبي، ناهيك عن القضايا المرفوعة على هذه الشركة والتي تؤثر سلباً على آدائها.
بدأت عمليات السلب والمصادرة للاستثمارات الليبية بالخارج منذ العام 2011، أذكر منها على سبيل الذكر لا الحصر: قيام الحكومة الأوغندية مطلع شهر مارس 2017 بمصادرة شركة أوغندا للاتصالات، وهذه الشركة هي استثمار مشترك ليبي أوغندي تمتلك فيها ليبيا حصة قدرها 69% من رأس مال الشركة البالغ 270 مليون دولار، أي أن حصة ليبيا تساوي 186.3 مليون دولار، بينما تمتلك أوغندا 31% فقط، كما قامت أوغندا أيضاً بتجميد مجلس إدارة الشركة الوطنية للبناء والإسكان والتي تبلغ مساهمة ليبيا فيها 49%، وفي المقابل أصدرت رواندا حكماً قضائياً من قضائها الوطني مطلع العام 2017 بتصفية الشركة الرواندية الليبية لتنمية وتطوير الفنادق المحدودة “سبروتيل” والتي تساهم فيها ليبيا بنحو 60%، في حين قامت السلطات في التوجو بتأميم فندق 2 فبراير بالرغم من كونه ملكية ليبية خالصة وبنسبة 100 % وبرأس مال 72 مليون دولار، وأن شركة “سولي إنفست” في تشاد التي تمتلك ليبيا فيها حصة قدرها 50% قد تمّ تجميدها من طرف الشريك التشادي هي الأخرى، بينما تعاني شركة “لايكو غامبيا” وهي ملكية ليبية خالصة وبنسبة 100 % من وضع يد الحكومة الغامبية عليها منذ العام 2016، فيما لم يتمكن مجلس إدارة شركة فندق “بحاري بيتش المحدودة” في تنزانيا من أداء مهامه رغم أنه ملكية ليبية خالصة هو الآخر وبنسبة 100%، وغيرها الكثير من عمليات النهب والمصادرة التي طالت الأصول الليبية في الخارج، وبالمناسبة فكل ما ذكرته وغيره الكثير موثق في ديوان المحاسبة ومنشور أغلبه في تقارير الديوان السنوية.
من جانب آخر، وعلى صعيد سوء الإدارة الناجم عن تعيين أشخاص غير جديرين بإدارة القطاع العام فقد بين تقرير ديوان المحاسبة للعام 2016 عديد الحالات سأكتفي بذكر واحدة منها فقط وهي قيام المدير العام السابق لمحفظة ليبيا أفريقيا (بصفته) بأبرام عقداً لنفسه يتقاضى بموجبه راتباً شهرياً قدره 10 آلاف جنيه استرليني، وهذا التصرف يُعد ضرباً بكل الأعراف الإدارية وأخلاقيات الوظيفة، فكيف لمدير ليبي الجنسية ومديراً عاماً لمؤسسة ليبية مقرها يقع في مدينة طرابلس أن يبرم لنفسه عقداً ومن داخل مقرها (وإن كان العقد باطل شكلاً ومضموناً) لكي يتقاضى مرتباً بالعملة الصعبة، ولا أعتقد هناك إلا مبرراً واحداً لهذا التصرف وهو (رزق حكومة وربي يدومه)، وبالتالي وبعد كل هذا السرد فالسؤال الذي يطرح نفسه هو: هل العيب في بعض الأفراد القائمين على المحافظ والصناديق الاستثمارية الليبية بالخارج، أم العيب في المحافظ والصناديق الاستثمارية من الأساس؟
إن تقرير المنظمة الليبية للسياسات والاستراتيجيات المنشور قبل نهاية العام 2016 والموسوم بعنوان الإدارة الرشيدة للاستثمارات والأموال الليبية في الخارج قد لخص التحديات التي تواجهها الاستثمارات الخارجية الليبية في الآتي:
(1) عدم التزام القائمين على المؤسسة الليبية للاستثمار وأذرعها بالقوانين والنظم المعمول بها.
(2) وجود مخاطر تواجهها الاستثمارات الليبية وبالأخص شركة الاستثمارات الأفريقية (لايكو) التابعة لمحفظة ليبيا أفريقيا بسبب سوء إدارتها والتي وصلت لأن تهدد كيانها ووجودها.
(3) لقد ترتب على ذلك ضعف لايكو في مجال الاستثمار الأمثل للأصول بالإضافة لسوء إدارة مشاريعها القائمة.
(4) وجود عقبات فنية وتشريعية حقيقية تواجه المؤسسة الليبية للاستثمار والمتمثلة في عدم وجود كفاءات ليبية محترفة في مجال الاستثمار (وبالأخص في إدارة المخاطر)، مع إفتقار البلاد لمحامين ليبيين متخصصين في مجال الشركات الكبرى، والشركات متعددة الجنسيات، وأنا أعتبر أن هذه النقطة تحديداً من تقرير المنظمة الليبية للسياسات والاستراتيجيات هي مكمن الداء ومفتاح الحل.
وبالعودة إلى تقرير صندوق النقد الدولي المشار إليه في الجزئين الأول والثالث من المقال والموسوم بعنوان مستقبل النفط والاستدامة المالية لدول مجلس التعاون الخليجي، والمنشور خلال شهر يناير 2020 وإسقاط توصياته على المؤسسة الليبية للاستثمار بإعتبارها الصندوق السيادي الليبي نجد أنه على المدى المتوسط (على الأقل) يمكننا تطبيق توصية واحدة فقط من بين التوصيات الثلاث التي خلص لها التقرير، وهي أن يكون حجم الصندوق السيادي الليبي كبيراً وإلى الحد الذي يجعله يدُر عوائداً مالية معتبرة (Dividends)، وأن الغرض من ذلك هي أن تحل عوائده محل إيرادات النفط (وفي أفق العام 2026 ومابعده حسب تقديري الشخصي) بشرط أن تديره كفاءات ليبية مشهود لها في هذا الجانب، ولا بأس من الاستعانة بعدد محدود من الخبرات الأجنبية في إدارة الصندوق، والجدير بالذكر أن تقرير صندوق النقد الدولي رقم 13/36 الصادر في فبراير 2013، والتقرير رقم 13/150 الصادر في شهر مايو من نفس العام قد أوضحا وبكل جلاء أهمية ودور الحوكمة، وأهمية الصندوق السيادي لدولة ليبيا ودوره في تحقيق الاستدامة المالية، وتنويع مصادر الدخل القومي، وضرورة تناغم جميع السياسات لتحقيق الاستدامة المالية للدولة الليبية.
في الأثناء وبعد أن وصلت أسعار النفط الى مستويات متدنية، الأمر الذي يستحيل معه حتى تغطية بند المرتبات، وبالتزامن مع إزدياد (توسع) العجز في الميزانية سنة عن سنة، والخلل الكبير في ميزان المدفوعات الذي شهد وسيشهد خللاً كبيراً، وتراكم الدين العام مما ينذر بكارثة اقتصادية وشيكة وبكل أسف فالأرصدة من العملات الصعبة تتقلص كل يوم ولايمكن تعويضها، لذا صار من الضرورة أن يستثمر الليبيون جزء مما تبقى لهم من أصول ومن احتياطات بالعملة الصعبة في داخل البلاد، وبالتالي صار هذا الأمر ضرورة وليس خياراً، أضف إلى ذلك أنه لم ولن يأتي أحد من الخارج ليستثمر في بلاد تمزقها الحرب الأهلية، والاستثمار في الداخل (بغض النظر عن نوعه خاص أو عام أو مشترك) لابد أن يشمل جوانب متعددة (من باب التنوع) ويكون لهدفين: أولهما تحقيق الأمن الغذائي، وبشئ من التفصيل فالوجبات الرئيسية لعموم الليبيين قائمة مكوناتها على الاستيراد على الرغم من أنه بالإمكان تصنيعها محلياً مثل: الزيوت ومعجون الطماطم والكسكسي والمكرونة والهريسة والتونة والأجبان…إلخ، ومن المفارقات العجيبة في بلادنا التي أصابها الداء الهولندي Dutch Disease هو أن الطماطم الذي ينتجه حوض الواحات لايجد من يشتريه في موسمه، في حين أن عشرات الملايين تُنفق على استيراد معجون الطماطم من دول حوض البحر المتوسط، والأدهى والأمر من ذلك هو أن كلفة مصنع تعليب معجون الطماطم لاتزيد عن 4 مليون دولار أمريكي، ويعمل على توظيف من 30 إلى 40 عامل وموظف، وثانيهما هو الاعتماد على الموقع الجغرافي لليبيا في تحقيق قيمة مضافة للاقتصاد الوطني من خلال إنشاء مناطق تبادل حرة وموانئ جافة ومناطق صناعية، وتشجيع تجارة العبور من وإلى ليبيا…إلخ.
ختاماً… وعطفاً على كل ما تقدم ودون الحاجة لاجترار ماكتبته خلال السنوات الماضية عن الكيفية الصحيحة لإدارة الصندوق السيادي الليبي (أنظر مقالي عن الدور المنشود للصندوق السيادي الليبي والمرفق رابطه أسفل هذا المقال)، فإنني أرى الأولوية في حال استقرار البلاد ورفع التجميد عن الأصول الليبية بالخارج تتمثل في الآتي:
تحديد هوية الاقتصاد الليبي ثم إعادة هيكلته بالاعتماد على الموقع الجغرافي للبلاد والموارد البشرية المتاحة، وأن يكون الاقتصاد الليبي متنوع ومبني على الاقتصاد الأصيل (صناعي وزراعي)، والاقتصاد البديل (اقتصاد الخدمات) بالاعتماد على العنصر البشري الليبي المؤهل، وهذا يتطلب الاهتمام بالتعليم التقني ومنحه الأولوية له على حساب باقي برامج التعليم والتدريب.
تقتضي الضرورة بأن يتم تقييم ثم تقويم ثم إعادة هيكلة المؤسسة الليبية للاستثمار وأذرعها الخمسة وإنقاذها مما تعانيه، أي تحويلها من مغارة على بابا (إن جاز التعبير) إلى صندوق سيادي حقيقي وبإدارة محترفة، كي يُدر عوائد ويحقق قيمة مضافة للاقتصاد الليبي، فالصندوق حسب تقديري هو إحدى الخيارات التي ستساعد على النهوض بالاقتصاد الليبي من وضعه السئ الراهن إذا ماتم توظيف بعض أصوله التوظيف الأمثل (يجب أن يمتلك الصندوق أصولاً واستثمارات متنوعة في داخل ليبيا وخارجها)، دون أن نغفل عن أن دور الصندوق السيادي في الأساس هو الاستثمار لصالح الاجيال القادمة.
التقويم ثم إعادة الهيكلة المشار إليهما في النقطة السابقة يجب أن تشمل وجود خبرات ليبية معروفة وأخرى أجنبية على رأس المؤسسة الليبية للاستثمار مع استحداث مجلس إستشاري أعلى يُقدم النصح والمشورة لمجلسي الأمناء والإدارة، وبشرط أن تتم كل هذه الإجراءات كجزء من حزمة الإصلاحات الاقتصادية المتكاملة للاقتصاد الليبي.
والله ولي التوفيق.