Skip to main content
خبير اقتصادي يكتب: العوز بالاقتصاد الليبي وأداء وزارة المالية "الجزء الثاني"
|

خبير اقتصادي يكتب: العوز بالاقتصاد الليبي وأداء وزارة المالية “الجزء الثاني”

كتب: الدكتور والخبير الاقتصادي “يوسف يخلف”

كما أسلفنا في مقدمة الجزء الأول، قل لي فيما تنفق أموالك أقول لك ما هي أولوياتك، وهذا القول لا بنطبق على الاشخاص فحسب بل ينطبق على الحكومات أيضاً، والطريقة الأكيدة لمعرفة أولويات الحكومة الفعلية وسياساتها (وليس كما تعلن لغرض الدعاية) هي بيانات الميزانية العامة، وهذا يقودنا إلى ضرورة التعرف على إجابات للاسئلة العشر، والتي نوقش نصفها في الجزء الأول، ونكمل باقيها في هذا الجزء من سلسلة مقالات حول “العوز بالاقتصاد الليبي وأداء وزارة المالية”.

6- ما علاقة العجز بالدين العام “الحكومي”؟طالما ظل الاقتصاد يتوسع وينمو، زادت قدرته على تمويل احتياجاته وسداد ديونه (أي تمويل عجز الموازنة) وانخفضت تكلفة الاقتراض (سعر الفائدة على القروض) لثقة المقرضين (دول أو مؤسسات مالية مثل “IMF”) في قدرته على السداد.

ولكن هناك دائما مؤشرات للخطر: إذا تزايد الدين العام (الحكومي) عاما بعد عام، وخاصة إذا تزامن ذلك مع تراجع النشاط الاقتصاد (هنا الخطر قريب من الدولة المستدينة؟، لذلك كي لا توصف الحكومة بـ اللامبالاة أو التهور، فمن الأفضل أن يكون الإنفاق العام موجها لزيادة الإنفاق الاستثماري العام، فذلك من شأنه بناء قدرات إنتاجية للمستقبل، فينحفض آثار العجز التضخمي.

ولكن، إذا ساءت أحوالك المالية وبدأت في بيع الأثاث والأجهزة الكهربائية التي تملكها لشراء الطعام، فهل تعتبر الأموال التي حصلت عليها انتعاشا ماليا؟ الجواب.. بالنسبة للحكومات أحيانا ما تلجأ لبيع بعض أصولها حتى تظهر جداول الموازنة انخفاضا في حجم عجز الموازنة أو تقلل من الاستدانة )الدين العام(، وهذا ما يعرف بالخصخصة، وتظهر خطط الخصخصة إذا وجدت مبالغ مخصصة في الباب الرابع من الإيرادات في جداول التصنيف الاقتصادي وتسمى بإسم صعب جدا (وهو: المتحصلات من الإقراض ومبيعات الأصول المالية وغيرها).

ولكن؛ بعض الدول الغنية التي تفشل في إدارة الإنفاق الاستثماري العام (مثل ما حدث في ليبيا للفترة 2002-2010) تلجئ لخيار الخصصة للتنصل من لعب دور الأب بالنسبة للأسرة، في خطوة اعتراف ضمني عن سوء إدارة المال العام والفشل في تحقيق قيمة مضافة موجبة لـ “GDP”، وهذه خطوة جيدة إذا تمت إعادة تقييم المشاريع القائمة بالشكل الصحيح، ومن تم اقرار خصصتها او تصفيتها، ومن ثم منح الفرصة للمستثمر المحلي للمساهمة في تنمية الاقتصاد، وذلك لتجنب تسرب العملة وزيادة فجوة الانكشاف الاقتصادي للدولة.

خبير اقتصادي يكتب: العوز بالاقتصاد الليبي وأداء وزارة المالية "الجزء الثاني"

7- ما علاقة احتياجات المواطن بـ الإنفاق الحكومي؟أنت كمواطن تحتاج لفهم المبالغ الكبيرة التي تنفق على الإسكان أو التعليم أو المواصلات أو الكهرباء أو الداخلية وغيرها، فكلها قطاعات تحصل على أموال من الدولة لتقدم خدمة للشعب.

وكما وضحنا سابقا تأتي هذه الأموال من جيوب الشعب (إما مباشرة عن طريق الضرائب والرسوم، أو عن طريق البنوك التي تستثمر أموال مودعيها في تمويل الدين العام أو النفط). لذلك عليك أن تتأكد كل عام من الآتي: أن ما توجهه الحكومة لهذا القطاع أو ذاك من موارد:

1) كاف لتلبية الاحتياجات.

2) يصل لأكبر عدد من المستفيدين المعنيين.

3) لايشوبه تبديد أو فساد.

4) كفل جودة عالية / مناسبة للخدمة المقدمة.الجدول التالي يوضح عينة حقيقية لمؤشرات من مختلف القطاعات، والتي يمكنك الحصول عليها وفهمها من خلال تتبع جداول الميزانية العامة، والتي يتعمد ناشروها أن تبقى لغة مشفرة أو طلاسم فلا يوضحها لك قرار الموازنة العامة او تقرير الميزانية العامة الصادرة عن الجهات الرسمية بالدولة، ويعجز حتى الإعلام الليبي عن توضيحها لك.

خبير اقتصادي يكتب: العوز بالاقتصاد الليبي وأداء وزارة المالية "الجزء الثاني"

8- هل المعلومات المتاحة بتقرير الميزانية العامة كاف للفهم ؟ هل تعلم؛ أن المستشفيات الليبية العامة انفق عليها في 2012 نحو 47 مليون للادوية و57 للمعدات الطبية من أصل مبلغ 1.334 مليار دينار (ومع هذا تشكو من عدم توفر الدواء، بل والقطن والشاش والحقن والسبيرتو، وعدم وجود معدات طبية وحتى القديم منها بعضه عاطل والأخر أختفى)، بل الأنكى من ذالك أن المبلغ أنفق منه 1.030 مليار للعلاج بالخارج.

وهل تعلم؛ أن الحكومة لم تدفع مخصصات التعليم والصحة بشكل واقعي. وهل تعلم ؛ أنه لم تتم العدالة في توزيع الدخول والذي وعدوا أن تصل لـ 5000 د.ل لكل موظف ليبي، بل نحو 92% في 2017 من موظفي الدولة الليبية يرزح تحت خط الفقر.

كل تلك المعلومات تم الحصول عليها عبر موقع ديوان المحاسبة ويفترض أن يكون موجود على الموقع الرسمي لوزارة المالية.ولا ينطبق هذا فقط على الصحة والتعليم، بل هو متاح أيضا للإسكان، والأمن والدفاع، وأيضا في الثقافة والبيئة والتجارة والصناعة، لعلك تعرف أن ليبيا تعاني من نقص شديد في الشفافية وفقر في المشاركة المجتمعية فيما يتعلق ببيانات الموازنة، قياسا بعدد كبير من الدول الأخرى. فغموض وإخفاء الشفافية بمؤشرات الموازنة العامة بليبيا يدل على أن سوء إدارة الموارد المتعمد هو وراء ذلك، حيث أصدرت منظمة الشفافية الدولية تقريرها بشأن مؤشر مدركات الفساد لعام 2018 والذي جاءت فيه أن ليبيا ضمن الدول العشر الأكثر فسادا في العالم إلى جانب دول أفغانستان وغينيا الاستوائية وغينيا بيساو والسودان وكوريا الشمالية واليمن وجنوب السودان وسوريا، والصومال التي تعتبر الدولة الأكثر فسادا عالميا/ وبذلك من حق المواطن الحصول على البيانات والمعلومات، والتي باعتقادي يتطلب إقرار قانون خاص به وملزم، ومع ذلك المتاح لك كثير وغير مستغل، فطالما لم تقدم أنت على فك شفرته وحل ألغازه. والمفاتيح التي تمكنك من الإبحار في عالم الإنفاق العام ستعرض لاحقاً.

خبير اقتصادي يكتب: العوز بالاقتصاد الليبي وأداء وزارة المالية "الجزء الثاني"

9- أين يمكن أن أجد معلومات وبيانات ذات علاقة بالموازنة العامة؟يمكن تقسيم المصادر التي تتخصص في متابعة الموازنة والميزانية العامة إلى أربعة أنواع رئيسية:-

مصادر حكومية وشبه حكومية: وزارة المالية ووزارة التخطيط وديوان المحاسبة والمصرف المركزي والبرلمان.- مصادر دولية: صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي.

– مصادر بحثية: مراكز الأبحاث: مثل مركز البحوث الاقتصادية ببنغازي والمراكز البحثية بكليات الاقتصاد والمكاتب الجامعة الكبيرة مثل مكتبة اكاديمية الدراسات العليا.

– مصادر من منظمات مجتمع مدني المهتمة بمراقبة وتحلل الموازنة للدولة: ومنها جمعية هيئة مكافحة الفساد وغيرها من المنظمات المحلية المهتمة بالاقتصاد الليبي.

ملاحظة: لا تعتمد على ما تقدمه وزارة المالية والجهات الحكومية لفهم كل شيء، لانه كثيرا ما تجدهم يحيطون بكل ما يقدمهونه من معلومات بالغموض وعدم الشفافية للتغطية على الكثير من الحقائق، والتي من شأنه أن ظهرت للعيان أن تطيح بهم أو ترسلهم للسجون هذا وفق قانون العقوبات الليبي هذا أن وجد من يطبقه.توصية: على الشعب والنقابات ومؤسسات المجتمع المدني أن تطالب بسن تشريع حول شفافية أظهار بيانات الموازنة والميزانية العامة، والسماح للمواطن من الولوجل إليها عبر منظومة خاصة بواسطة الرقم الوطني بواسطة نافذة على موقع وزارة المالية ونافذة بموقع محافظة بلديته، ليعرف أين تنفق ضرائبه والايرادات العامة، ومن ثم التقدم بالمحاسبة في حال الإخفاق وسوء إدارة الموارد.

خبير اقتصادي يكتب: العوز بالاقتصاد الليبي وأداء وزارة المالية "الجزء الثاني"

10- من يسمح له المشاركة في إعداد الموازنة العامة وأساليب تمويلها؟ ضمنيا تحدد الموازنة في ليبيا بأسلوب الغاب، فمن لديه السطوة تكون حصته أكبر، ومثال على ذلك تفرد البرلمان وديوان المحاسبة والخارجية وهيئة الرقابة الإدارية ومكافحة الفساد والقضاء والبنك المركزي بالتنعم بالثروة الليبية، وغيرهم ممن لهم سطوة على أموال الدولة أو يشاركون في الحكم، وقس عليه في باقي اقسام الموازنة العامة. فدعوكم من نظرية البناء والتنمية والمصلحة العامة فهي خرافة كالعنقاء.

ففي الدول المتقدمة وطيف من الدول النامية، لا يحمل المواطن هم تعليم أبنائه، ولا نفقات الدروس الخصوصية، كما لا يحمل هم علاج مرضه وعلاج أفراد أسرته، كما توفر الدولة مواصلات آمنة وملاعب رياضية للجميع. فلماذا الحال مختلف في ليبيا؟ أحد أهم الأسباب هو ابتعاد الناس عن النقاش حول أولوياتهم، والضغط بكل الوسائل الديمقراطية على صناع القرار من أجل التفاوض حول تلك الأولويات.

ويكمن ذلك في التالي: أولا، تتطلب المشاركة المعرفة بقواعد اللعبة، لعبة وضع الموازنة العامة للدولة. من هم أهم اللاعبين؟ متى تبدأ اللعبة وكم عدد مراحل الإعداد، وهذا سنتعرف عليه لاحقاً. ثانيا، تتطلب عملية المشاركة الإلمام بمطالب الأطراف المختلفة. فموازنة الدولة، أو الإنفاق العام، تشبه كعكة، يضغط الأطراف المختلفة للحصول على أكبر قدر منها. وكان الحال في ليبيا خلال العقد المنصرم كالآتي:

استقر نمط تقسيم الكعكة بحسب ثقل وقوة أطراف معينة من مؤسسات وجماعات قوية، يحصلون على حصة كبيرة عن غيرهم، وتتقاسم بقية الأطراف البواقي. وذلك بسبب غياب المشاركة الشعبية، سواء عن طريق الشفافية عبر مواقع وزارة المالية وكذلك التغطية الإعلامية الشارحة والمدققة، وأيضا بسبب غياب برلمان منتخب يعبر عن المصالح المختلفة لجماعات الشعب، وأخيرا، الغياب التام للمشاركة الشعبية من خلال مجالس محلية منتخبة. وهكذا، تستطيع بمعرفتك مواقيت الموازنة، وقدرتك على توسيع قاعدة المهتمين بالتفاوض على تقسيم الكعكة أن تشارك في إعطاء وزن أكبر لفئات لم يكن لها يد في تحديد أولويات الموازنة، سواء كان ذلك في التعليم، أو في الصحة، الرياضة، الإسكان والمرافق، الثقافة، مرتبات القضاة أو الأطباء والممرضين، أو أولويات مشروعات التنمية داخل كل بلدية أو حي أو قرية.

خبير اقتصادي يكتب: العوز بالاقتصاد الليبي وأداء وزارة المالية "الجزء الثاني"

رابط الجزء الأول من المقال:

https://sada.ly/2020/05/26/%d8%ae%d8%a8%d9%8a%d8%b1-%d8%a7%d9%82%d8%aa%d8%b5%d8%a7%d8%af%d9%8a-%d9%8a%d9%83%d8%aa%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%88%d8%b2-%d8%a8%d8%a7%d9%84%d8%a7%d9%82%d8%aa%d8%b5%d8%a7%d8%af-%d8%a7%d9%84%d9%84/
مشاركة الخبر