
| مقالات اقتصادية
“الشحومي” يكتب: استخدام الدولار كسلاح وفرض التعرفات الجمركية وتأثيرها على مستقبل الهيمنة الأمريكية
كتب كتب الخبير الاستثماري ومدير صندوق رأسمال في المملكة المتحدة “منذر الشحومي” مقالاً بعنوان: استخدام الدولار كسلاح وفرض التعرفات الجمركية وتأثيرها على مستقبل الهيمنة الأمريكية
على مدى عقود، شكلت الولايات المتحدة حجر الزاوية للنظام الاقتصادي العالمي مستفيدةً من هيمنة الدولار الأمريكي ومن ريادتها للنظام التجاري متعدد الأطراف. غير أنها في السنوات الأخيرة بدأت تسخّر قوتها الاقتصادية كسلاح جيوسياسي بطرق غير مسبوقة – بدءًا من تجميد احتياطيات الخصوم من النقد الأجنبي وصولًا إلى فرض رسوم جمركية عقابية على شركاء تجاريين وأعداء على حد سواء ، لقد أبرزت هذه التحركات مدى النفوذ الأمريكي، لكنها في الوقت ذاته أثارت تساؤلات جدية حول انعكاساتها طويلة المدى. فهل يمكن أن يؤدي استخدام الدولار كسلاح، إلى جانب النزعة المتزايدة نحو فرض التعرفات الجمركية, إلى تقويض أسس الهيمنة الأمريكية العالمية التي أرستها واشنطن بعد الحرب العالمية الثانية؟
استخدام الدولار كسلاح
يعد الدولار الأمريكي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية العملة المهيمنة عالمياً في التجارة والتمويل. فهو يمثل اليوم حوالي 60% من احتياطيات النقد الأجنبي المعلنة لدى المصارف المركزية حول العالم، رغم أن الاقتصاد الأمريكي لا يشكل إلا نحو ربع الناتج العالمي . كما يدخل الدولار في قرابة 90% من معاملات الصرف الأجنبي الدولية ، ما يعني أن معظم الدول والشركات تعتمد عليه كوسيط موثوق للتجارة والتمويل. هذه المكانة الفريدة منحت الولايات المتحدة ما يسميه الاقتصاديون «الامتياز الباهظ» – أي قدرة على الاقتراض والإنفاق دوليًا بعملتها الخاصة دون مخاطر كبيرة – فضلًا عن نفوذ سياسي واقتصادي هائل نابع من قدرة واشنطن على الوصول إلى النظام المالي العالمي.
مع ذلك، بدأت الولايات المتحدة في توظيف هذه القوة المالية كسلاح ضغط لتحقيق أهداف سياستها الخارجية. تجلى ذلك بشكل صارخ في تجميدها للأصول الاحتياطية الروسية بالخارج عام 2022 – وهو أجرأ استخدام لسلاح الدولار حتى اليوم ، فقد تم حظر وصول موسكو إلى نحو 300 مليار دولار من احتياطياتها الأجنبية ردًا على حربها في أوكرانيا، إلى جانب إجراءات مماثلة (إن كانت أصغر حجمًا) استهدفت في السابق مصارف إيران وليبيا وفنزويلا وأفغانستان ، من منظور واشنطن، تُعتبر هذه العقوبات المالية أداة قوية لمعاقبة من تصنفهم خصومًا وردع مَن يخالف مصالحها ، لكن من منظور الدول الأخرى، يبعث هذا التوجه رسالة مثيرة للقلق: إذا كان بمقدور أمريكا شلّ الوصول إلى الدولار والنظام المالي لأي دولة تعارضها، فهل من الأمان الاستمرار في الاعتماد المطلق على العملة الأمريكية؟
لقد أدى هذا التساؤل إلى تسريع النقاش حول الحد من الاعتماد على الدولار أو ما يُعرف بـ«إزالة الدولرة». فبعد تجميد الاحتياطيات الروسية، أدركت حتى بعض الدول الحليفة للولايات المتحدة أنها قد تجد نفسها معرضة للخطر يومًا ما إن تباينت سياساتها مع واشنطن . ونتيجة لذلك، بدأت عدة أطراف دولية البحث عن بدائل. فعلى سبيل المثال، عملت الصين وروسيا على زيادة التعامل بعملاتهما الوطنية؛ وبحلول منتصف عام 2024 ارتفعت نسبة تجارة الصين الخارجية المسعرة بعملة الرنمينبي (اليوان) إلى حوالي 27%، مقارنةً بـ17% فقط في أوائل عام 2022 ، ويُعزى جزء كبير من هذه القفزة إلى تسوية الصين وحليفها الروسي لتجارتهما البينية بالعملة الصينية بدلًا من الدولار ، كذلك دفع القلق الأوروبي من الهيمنة الأمريكية على أنظمة الدفع إلى التفكير في بدائل محلية: فقد نبه البنك المركزي الأوروبي إلى خطر «الضغط والإكراه الاقتصادي» الذي تواجهه أوروبا نتيجة سيطرة شبكات البطاقات الأمريكية (فيزا وماستركارد مثلًا) على المدفوعات، ما حفز مبادرة لإطلاق اليورو الرقمي لتعزيز الاستقلالية المالية للقارة ، ومع أن مشروع العملة الرقمية الأوروبية لا يزال متعثرًا وفي حاجة لسنوات قبل التنفيذ ، فإن مجرد طرحه يعكس رغبة متنامية في إيجاد شبكات مالية أقل خضوعًا للولايات المتحدة.
رغم هذه الجهود، لا تزال البدائل الواقعية للدولار محدودة في الأجل القريب، فحتى الآن، لم تستطع أي عملة أخرى الاقتراب من مكانة الدولار العالمية؛ فعلى سبيل المثال، لا تمثل عملة الصين سوى حوالي 2% من احتياطيات العالم من النقد الأجنبي ، كما أن معظم الاقتصادات الكبرى – بما فيها حلفاء أمريكا كاليابان وأوروبا – شاركت واشنطن في أحدث جولات العقوبات (مثل العقوبات المفروضة على روسيا) ، مما يعني أن الانتقال إلى عملات تلك الدول لا يوفر حماية تامة من سلاح العقوبات الغربي، أضف إلى ذلك ما يعرف بتأثيرات الشبكة: فكلما ازداد استخدام الدولار، ازدادت كلفة التخلي عنه وصعوبة بناء شبكة عالمية بديلة ، لذا يشدد محللو المؤسسات المالية على أن أي تراجع جوهري في هيمنة الدولار سيستغرق وقتًا طويلًا؛ إذ رغم تزايد الدعوات لتنويع الاحتياطيات بعيدًا عن العملة الأمريكية، تظل الأسس الداعمة للدولار متجذرة بعمق في هيكل الاقتصاد العالمي وبنيته المالية ، بعبارة أخرى، قد يكون سلاح الدولار سلاحًا ذو حدين بالنسبة لأمريكا: فرغم خطر دفع الآخرين تدريجيًا نحو الالتفاف عليه، فإن موقع الدولار الراسخ يمنح واشنطن هامش مناورة واسع قد يستمر لعقود.
سلاح التعرفات الجمركية
إلى جانب نفوذها المالي، تمتلك الولايات المتحدة ثقلاً تجاريًا كبيرًا استخدمته مؤخراً بفرض تعريفات جمركية واسعة النطاق لتحقيق أهداف سياسية واقتصادية. فقد خرجت واشنطن عن نهجها التقليدي المؤيد للتجارة الحرة وقامت في أواخر العقد الماضي بفرض رسوم جمركية أحادية الجانب على العديد من الدول والشركاء التجاريين، وكانت أبرز مثال على ذلك الحرب التجارية مع الصين التي انطلقت في 2018؛ حيث فرضت الإدارة الأمريكية حينها رسومًا جمركية بنسبة 25% على واردات صينية بحوالي 250 مليار دولار، ثم رفعت النسبة أو نطاقها لتغطي بضائع إضافية بقيمة 300 مليار دولار تقريبًا ، وردت الصين بإجراءات انتقامية شملت فرض تعرفات على الواردات الأمريكية إلى أسواقها. ومع تصاعد ما أصبح أكبر نزاع تجاري منذ عقود، تزعزعت سلاسل الإمداد العالمية واهتزت الأسواق المالية نتيجة حالة عدم اليقين والتكاليف الإضافية التي فرضتها التعرفات على الشركات والمستهلكين.
لم تقتصر سياسة الرسوم المشددة على الخصوم الإستراتيجيين كالصين. فقد شملت أيضًا حلفاء تقليديين: مثل فرض واشنطن رسومًا على واردات الصلب والألومنيوم القادمة من الاتحاد الأوروبي وكندا والمكسيك، مبررة ذلك بدواعٍ أمنية وتجارية. وأثار هذا النهج أحادي الجانب استياء الحلفاء الذين رأوا فيه تقويضًا لقواعد النظام التجاري متعدد الأطراف الذي كانت الولايات المتحدة نفسها مهندسه لعقود، وقد فكرت دول أوروبية في الرد بالمثل عبر فرض رسوم على المنتجات الأمريكية، بل درست خيارات أكثر جذرية كفرض قيود على عمل البنوك الأمريكية في أوروبا . لكن مثل هذه الخطوات التصعيدية لم تدخل حيز التنفيذ نظرًا للنفوذ الكبير لوول ستريت عالميًا ومخاوف الأوروبيين من الإضرار بأنفسهم أيضًا برد فعل معاكس على مصالحهم الاقتصادية ، ومع ذلك، فإن مجرد اضطرار الحلفاء لبحث إجراءات دفاعية كهذه يشير إلى حجم الشرخ الذي أحدثته سياسة التعرفات في الثقة المتبادلة بين أمريكا وشركائها.
من وجهة النظر الأمريكية الداخلية، يجادل مؤيدو التعرفات أن هذه الإجراءات ضرورية لحماية الوظائف والصناعات الوطنية من المنافسة غير العادلة ولمواجهة ممارسات تجارية تعتبرها واشنطن مشوهة للسوق (مثل سرقة الملكية الفكرية أو الإغراق السعري). كما يرى البعض أنها ورقة ضغط تفاوضية تدفع الخصوم إلى تقديم تنازلات، بيد أن معظم الاقتصاديين يشككون في جدوى سياسة الرسوم لتحقيق الأهداف المعلنة، فالعجز التجاري الأمريكي الإجمالي لم ينكمش بشكل مستدام نتيجة هذه التعرفات، إذ يعود تحديد حجم العجز إلى عوامل هيكلية في الاقتصاد الأمريكي (كفوارق الادخار والاستثمار) أكثر من كونه نتيجة لتعريفات جمركية هنا أو هناك. وقد حذر خبراء من أن الحواجز التجارية قد تأتي بنتائج عكسية؛ فإذا لم تنجح الرسوم في خفض العجز التجاري – وهو السيناريو الذي يعتبره كثير من الاقتصاديين مرجحًا – فإنها ستضر بالاقتصاد الأمريكي دون أن تحقق الغاية ، بالفعل، شهدت الولايات المتحدة بعد فرض تلك الرسوم ارتفاعاً في تكاليف الواردات بالنسبة للمستهلك الأمريكي العادي، مما يعادل ضريبة خفية على الإنفاق الاستهلاكي. كما اضطرت شركات أمريكية تعتمد على مكونات مستوردة إلى رفع الأسعار أو تحمل هوامش ربحية أقل.
علاوة على ذلك، هناك تبعات جيوسياسية طويلة المدى لنهج التعرفات القائم على المواجهة. فقد يؤدي الاستخدام المفرط للأدوات الحمائية إلى إضعاف الدور القيادي الأمريكي في صياغة قواعد التجارة العالمية. فعندما تتجاوز الولايات المتحدة مؤسسات مثل منظمة التجارة العالمية (WTO) وتفرض إجراءات أحادية، فإن دولًا أخرى قد تفقد الثقة بفاعلية النظام التجاري الدولي القائم وتبحث عن ترتيبات بديلة، وهذا برز فعليًا مع إقدام دول على إبرام اتفاقيات تجارة إقليمية ضخمة من دون الولايات المتحدة، مثل الاتفاقية الشاملة للتجارة عبر المحيط الهادئ (CPTPP) التي مضت قدمًا من دون مشاركة واشنطن، إن تراجع النفوذ الأمريكي في وضع أجندة التجارة العالمية يوازيه صعود نسبي لدول أخرى مستعدة لملء الفراغ وقيادة دفة العولمة الاقتصادية وفق مصالحها الخاصة.
التداعيات على مستقبل الهيمنة الأمريكية
تشكل التحركات الأمريكية الأخيرة مزيجًا من إبراز القوة والمقامرة الإستراتيجية بمكتسبات الهيمنة. فمن ناحية، أكدت واشنطن مجددًا حجم نفوذها: إذ أظهرت للعالم أنه بوسعها ليّ ذراع اقتصاد حتى دولة كبرى عبر حرمانها من الدولار والأسواق الأمريكية، ومن ناحية أخرى، أثارت هذه السياسات شبح فقدان الثقة العالمية في القيادة الأمريكية، ذلك أن نظام الهيمنة الأمريكي منذ الحرب العالمية الثانية بني ليس بالقوة الصلبة وحدها، بل أيضًا على شبكات تحالفات واسعة وعلى قبول الدول الأخرى – بما فيها الحليفة – للدور الأمريكي بوصفه ضامنًا للنظام الاقتصادي العالمي المفتوح. فإذا بدأ هؤلاء اللاعبون يرون في الولايات المتحدة طرفًا مستعدًا لاستخدام قواعد النظام ضدهم عند الخلاف، فسيكون من الطبيعي أن يسعوا لتقليل تعرضهم لهذه الهيمنة المالية والتجارية.
على المدى القريب، ربما لن يترجم هذا الاستياء إلى انقلاب فوري على عرش الدولار أو انهيارٍ لتحالفات التجارة القائمة، فما زالت الولايات المتحدة تتمتع بموقع فريد لا ينازعها فيه أحد حاليًا: اقتصادها هو الأكبر والأكثر ابتكارًا، وأسواقها المالية عميقة وسيولتها عالية، وعملتها لا تزال الملاذ الآمن الأول عالميًا في أوقات الأزمات. وليس هناك حتى اللحظة منافس مكافئ يستطيع توفير نفس درجة الثقة والسيولة – فلا اليورو الأوروبي تمكن من تعويض الفجوة بسبب تحدياته الخاصة بين دول الاتحاد، ولا اليوان الصيني مرشح حقيقي في ظل القيود المفروضة على تحويله بحرية وسياق النظام السياسي الصيني ، لذلك من غير المرجح أن تنهار الهيمنة الأمريكية دفعةً واحدة نتيجة هذه السياسات بيد أن الخطر الحقيقي يكمُن في التآكل التدريجي، فاستعداء الخصوم وحتى الشركاء الاقتصاديين عبر سلاح الدولار والتعرفات قد يخلق حافزًا مشتركًا لدى العديد من الدول للعمل على المدى الطويل لبناء نظام أقل مركزية. ومع مرور الوقت، قد نشهد تسارع جهود إنشاء بنية مالية موازية – كتكثيف استخدام العملات المحلية في التبادلات التجارية وإنشاء أنظمة مدفوعات دولية بديلة – بشكل يُقلم أظافر النفوذ الأمريكي، ولن يكون مستغربًا أيضًا أن تؤدي سياسات التعرفات إلى إعادة تشكيل سلاسل الإمداد العالمية بعيدًا عن السوق الأمريكية تجنبًا للمخاطر، مما قد يقلل من الاعتماد المتبادل الذي طالما شكل مصدر قوة لأمريكا (حيث يستفيد الشركاء من السوق الأمريكية الواسعة مقابل بقائهم في فلك النظام الذي تقوده واشنطن).
يبدو أن الولايات المتحدة تواجه معضلة استراتيجية: فبينما توفر لها هيمنة الدولار وقوة سوقها التجارية أدوات فعالة لفرض إرادتها حاليًا، فإن الإفراط في استخدام هذه الأدوات قد يقوض الركائز التي تستند إليها هذه الهيمنة ذاتها على المدى الأبعد. وكما حذر أحد الخبراء، فإن الإمعان في هذه السياسات بدافع الإحباط قد يدفع صناع القرار الأمريكيين إلى تبني «أفكار جامحة» تخرج عن منطق الاقتصاد السليم – الأمر الذي من شأنه تسريع تراجع النفوذ بدلاً من دعم استمراره. الهيمنة الأمريكية تاريخيًا لم تكن مجرد نتاج القوة بل أيضًا نتاج القبول والقيادة المسؤولة؛ فإن انحرفت نحو فرض الهيمنة بالقسر الاقتصادي، فقد تفتح الباب أمام عالم أكثر تكتلًا وانقسامًا، تتوزع فيه مراكز النفوذ بشكل أوسع، وعلى الرغم من أن الدولار والنظام الأمريكي سيظلان في القمة في المدى المنظور، إلا أن الثمن الباهظ لاستخدامهما كسلاح قد يكون التأسيس البطيء لنهاية التفرد الأمريكي وولادة نظام عالمي أشد تعددية.