كتب الخبير الاقتصادي “صابر الوحش” مقالًا قائلًا:
هل يُعدّ التسعير الجبري أداةً فعّالةً للسياسة التجارية في ليبيا في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة والوضع السياسي الراهن؟
وهل يمكن التعويل عليه للحد من الارتفاع المستمر في أسعار السلع الأساسية؟
قبل الخوض في تقييم أثر هذه الأداة، يبرز سؤال جوهري: هل الأسعار السائدة حاليًا في السوق الليبي هي نتيجة لتفاعل قوى العرض والطلب، أم أنها أسعار مفروضة من قبل تجار محتكرين؟
تشير روح التصريحات والإجراءات الصادرة عن الفاعلين في وزارة الاقتصاد إلى أن الأسعار الحالية – من وجهة نظرهم – ليست نتاجًا لسوق تنافسية، بل نتيجة سلوك احتكاري من قبل عدد من التجار المسيطرين على استيراد وتوزيع بعض السلع الأساسية، وانطلاقًا من هذا التشخيص، تسعى الوزارة إلى فرض أسعار تراها “عادلة”، استنادًا إلى معطيات تشمل: السعر العالمي للسلعة، سعر صرف العملة، تكاليف النقل والتأمين، وهامش ربح “مجزي” للتاجر.
التسعير الجبري في ضوء النظرية الاقتصادية
في الظروف الطبيعية، وعندما تسود درجة معقولة من المنافسة، يتحدد سعر التوازن في السوق عند النقطة التي تتساوى فيها الكمية المطلوبة مع الكمية المعروضة، دون وجود ضغوط تدفع السعر للارتفاع أو الانخفاض.
في هذه الحالة يكون السعر في حالة استقرار نسبي (وليس ثباتًا مطلقًا)، ويتحرك ضمن نطاق ضيق حول سعر التوازن.
أما في الحالة الليبية، ووفقًا لتصريحات وزارة الاقتصاد، فإن السعر السائد أعلى من “السعر العادل”، وبالتالي فإن السعر الذي تسعى الوزارة إلى فرضه هو سعر أقل من سعر السوق.
وهنا، ووفقًا للنظرية الاقتصادية، فإن فرض سعر جبري أدنى من سعر التوازن يؤدي إلى اختلال في السوق يتمثل في:
• زيادة الكمية المطلوبة نتيجة انخفاض السعر (العلاقة العكسية بين السعر والطلب).
• انخفاض الكمية المعروضة نتيجة تراجع الحافز السعري لدى المنتجين أو المستوردين (العلاقة الطردية بين السعر والعرض).
خصوصية السوق الليبي: ثلاث فئات من التجار
ما يحدث في السوق الليبي أكثر تعقيدًا من النموذج النظري، حيث يمكن تقسيم التجار إلى ثلاث فئات رئيسية:
- فئة تعتمد كليًا على السوق الموازي للحصول على العملة الأجنبية.
هذه الفئة ستخرج من السوق فور فرض سعر جبري، لأن السعر الجديد لا يغطي تكاليفها، ما يؤدي إلى انخفاض مباشر في الكمية المعروضة. - فئة تعتمد جزئيًا على السوق الموازي وجزئيًا على الاعتمادات.
بقاء هذه الفئة في السوق يعتمد على نسبة اعتمادها على السوق الموازي؛ وكلما ارتفعت هذه النسبة، زادت احتمالية خروجها سريعًا من السوق. - فئة تعتمد بالكامل على الاعتمادات المصرفية.
هذه الفئة لن تخرج من السوق، لكن سلوكها البيعي سيتغير؛ فعند شح السلعة وارتفاع الطلب، ستلتزم شكليًا بالسعر الجبري لجزء من الكميات، بينما يتم تصريف الجزء الآخر عبر قنوات غير رسمية وبأسعار أعلى، بعيدًا عن أعين الجهات الرقابية.
النتيجة المتوقعة
في ظل هذا الواقع، فإن النتيجة النهائية لفرض التسعير الجبري قد لا تكون انخفاض الأسعار، بل:
نقص المعروض في السوق الرسمية، وظهور أو توسّع سوق موازية للسلع، وبيع السلع بأسعار قد تكون أعلى من الأسعار السائدة قبل سريان قرار التسعير.
والحل لا يكمن في ضبط السعر فقط، بل في إصلاح منظومة الاستيراد، وتوحيد سعر الصرف، وتعزيز المنافسة، وتحسين الشفافية والرقابة. ولا يفوتنا هنا ذكر أن المشكلة الأساسية هي في الإنفاق المنفلت والتلاعب في إيرادات الدولة، سواء السيادية أو النفطية، إن لم تُحل هذه المشكلة سنبقى ندور في حلقة مفرغة من الحلول غير الكاملة