كتب المستشار “مصطفى المانع”: طرح المملكة السعودية
سندات دولية مؤشر لتطور الاقتصاد
في وقت تعتمد فيه اقتصادات عدد من الدول على النفط مصدراً وحيداً للدخل القومي، وهو دأبٌ استمرت عليه تلك الدول عبر عقود، ما أصاب اقتصاداتها بالهشاشة والريعية، ومحدودية مصادر الدخل، فانعكست تلك الاقتصادات الريعية سلباً على كل مناحي الحياة في تلك الدول، فتدهورت الصناعة والزراعة والسياحة، وغاب الابداع والابتكار، وأضحت مخرجات التعليم تقليدية لا ارتباط بينها وحاجة سوق العمل، وتقلص دور القطاع الخاص، وأصبحت الوظيفة العامة قبلة الشباب، ولما لا طالما أن الدولة هي الراعي الوحيد، وطالما أن الاقتصاد منغلق، فصارت اقتصادات تلك الدولة معرضةٌ للصدمات، كلما انخفض انتاج النفط أو انخفضت أسعاره العالمية، وأضحت ماليتها العامة مزمنة التشوه في مصادرها وفي انفاقها.
وخلاف تلك الاقتصادات التقليدية، أظهرت المملكة العربية السعودية احدى أهم دول العام انتاجاً وتصديرا ًللنفط، مؤشرات حقيقية عن نضج سياستها المالية، وتحرر اقتصادها، وحرصها على تعزيز ثقة الأسواق العالمية فيها.
اذ أعلن المركز الوطني لإدارة الدين بالمملكة العربية السعودية، قبل أيام، إتمام أول طرح للسندات الدولية المقومة بالدولار الأمريكي خلال عام 2026، ضمن برنامج سندات حكومة المملكة العربية السعودية الدولي، بقيمة إجمالية بلغت 11.5 مليار دولار أمريكي. ويعكس هذا الطرح توجهًا واضحًا نحو إدارة أكثر تحررًا واحترافية للمالية العامة، تقوم على أدوات السوق والانضباط المالي.

الإقبال الدولي مؤشر
وسجّل الإصدار إقبالًا واسعًا من المستثمرين الدوليين، إذ بلغ إجمالي طلبات الاكتتاب نحو 31 مليار دولار أمريكي، بنسبة تغطية وصلت إلى 2.7 مرة من قيمة الطرح، في مؤشر مباشر على ثقة الأسواق العالمية بمتانة الاقتصاد السعودي وقدرته على الوفاء بالتزاماته المالية، فضلًا عن جاذبية الفرص الاستثمارية التي يتيحها.
نوعية السندات المطروحة وأهميتها
تم توزيع الطرح على أربع شرائح مختلفة الآجال، وهو ما يتيح للمستثمرين اختيار أدوات مالية متناسبة مع استراتيجياتهم الاستثمارية، ويُعطي المملكة مرونة في إدارة دينها العام:
• شريحة 3 سنوات بقيمة 2.5 مليار دولار (تستحق 2029) وهي سندات قصيرة الأجل توفر سيولة أعلى للمستثمرين، وتساعد الحكومة في تلبية الاحتياجات التمويلية العاجلة.
• شريحة 5 سنوات بقيمة 2.75 مليار دولار (تستحق 2031) وهي سندات متوسطة الأجل تجمع بين العائد المستقر وإدارة المخاطر بشكل متوازن.
• شريحة 10 سنوات بقيمة 2.75 مليار دولار (تستحق 2036) وهي سندات طويلة الأجل توفر للمستثمرين عائدًا ثابتًا طويل الأمد، وتساهم في تخطيط المملكة المالي بعيد المدى.
• شريحة 30 سنة بقيمة 3.5 مليار دولار (تستحق 2056) وهي سندات طويلة جدًا، تُستخدم لتمويل مشاريع استراتيجية وتنموية، وتُظهر قدرة المملكة على الالتزام بالمدى الطويل وإدارة الدين المستدام.
هذه التنويعات تعكس استراتيجية متقدمة لإدارة الدين العام، حيث تجمع المملكة بين تلبية احتياجاتها التمويلية المختلفة، والحفاظ على مرونة عالية في أسواق الدين العالمية، وضمان تنويع قاعدة المستثمرين.
ختاماً
ان نجاح هذا الطرح الدولي لا يُعد مجرد عملية تمويلية، بل تجربة ملهمة تقدمها المملكة لباقي الدول، لكسر نموذج الاقتصاد أحادي المصدر، إلى خلق بيئة استثمارية مستقرة ومحفزة، ومتنوعة للمستقبل، والتحول لاقتصاد يتسم بالاستدامة.
الكاتب هو المستشار مصطفى المانع هو محامٍ ليبي وخبير قانوني واقتصادي منذ أكثر من 24 عامًا، عمل مع عدد من المؤسسات الاستثمارية والصناديق السيادية والبنوك، في عدد من دول العالم بالإضافة إلى ليبيا، ويعمل كخبير لمراكز بحثية دولية، وعمل لسنوات كمستشار لمحافظ مصرف ليبيا المركزي، وترأس وكان عضواً بعدد من الفرق التنفيذية بالمصرف المركزي، كلجنة سعر الصرف وفريق الخطة الاحترازية، وفريق التدقيق، وفريق استعادة الثقة، وفريق سايبر لخلق بيئة تشريعية للتحول الرقمي، كما أنه عضو بمجلس إدارة المؤسسة الليبية للاستثمار والمصرف الليبي الخارجي، كما مثّل ليبيا في اجتماعات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، كما يرأس الفريق التنفيذي لمبادرات رئيس الوزراء والمشروعات الاستراتيجية، كما عمل خبيراً ومحاضراً مع نقابة المحامين الأمريكية، وعضواً معتمداً برابطة محامي أوروبا، كما أنه عضو المجلس الليبي الامريكي للتجارة والاستثمار، وله عدد من البحوث والمقالات المنشورة بالصحف العربية والأمريكية والأوروبية، وله آراءه الجريئة في ملفات التحول الاقتصادي والمالي.