كتب: الخبير الاقتصادي “أيوب محمد الفارسي” مقالاً
أولاً: كيف تدار الأزمة في ليبيا بين الواقع وما يفترض أن يكون:
ما يحدث في ليبيا الان هو محاولة للاستمرار في انتظار آليات السوق في العمل والاستمرار في سياسات وتقديم توصيات من بعض الخبراء بالعمل في ظل تجاهل الأزمة مثل الاستمرار بعدم تدخل الدولة بشكل مباشر في الاقتصاد بأي قيود في ظنهم أن ميكانزمات الاقتصاد هي من ستصحح الوضع.
ولكن اقتصاد الأزمة يقول :
اقتصاد الأزمات” ليس مجرد تراجع مالي، بل هو حالة يجب أن يتحول فيها سلوك الأفراد، الشركات، والحكومات من “النمو والرفاهية” إلى “البقاء والتحوط”، في هذه الظروف، تتوقف قوانين السوق التقليدية عن العمل بكفاءة، وتتدخل الدولة بشكل مباشر لإدارة الموارد المحدودة والمهدورة إذا صاحب الأزمة فساد كما في ليبيا.
لوضع الحل الأنجع للاقتصاد يجب الابتعاد عن المثالية والارتكاز حسب وجهة نظري على ثلاث ركائز إذا اغفلت كان الحل زيادة للمشكلة، وهي :
1- تحديد أولويات الانفاق
ينتقل الإنفاق من السلع الكمالية والترفيهية إلى “اقتصاد الضرورة” (الغذاء، الدواء، الطاقة، والأمن). الشركات التي لا تقدم هذه الخدمات تواجه خطر الإفلاس الفوري، إذا ما تم إدارة الأزمة بحكمة.
في ليبيا يحدث العكس التوسع في الكماليات ونمو شركاتها ومورديها أصبحوا أثرياء في الأزمة.
2- التعامل مع السلوك الجمعي للأفراد أثناء الأزمة الاقتصادية
حيث يسود الخوف لديهم ويتم اللجوء إلى “الملاذات الآمنة” مثل الذهب أو العملات الصعبة، وهذا يسبب “أزمة سيولة”.
وهذا يستوجب إعادة الثقة في القطاع المصرفي عن طريق تبني الخطوة رقم 1 كأساس.
3- وهي الأهم ، تدخل الدولة القوي
في الأزمات، تتقلص “اليد الخفية” للسوق، وتظهر “قبضة الدولة”. تقوم الحكومات بضخ سيولة ضخمة (حزم تحفيز) أو فرض قيود على الأسعار لضمان عدم حدوث انفجار اجتماعي.
الخطأ في ليبيا هو الإصرار على آليات السوق وترك الفاسدين يسعرون البضائع كما يرون في شكل مشوه لمبدأ المنافسة الغائب تماما في ليبيا حيث اغلب السلع تقع تحت احتكار القلة مع عدم إهمال تعطل آليات السوق في الأزمة الاقتصادية حتى لو كانت سائدة قبل الأزمة.
وتكون الدولة في ظل الأزمات الاقتصادية أمام خيارات من التدخل
أولا: التسعير الجبري لحماية الأفراد ومدخراتهم أو توجيه المصانع لانتاج سلع معينة مثل ماحدث في كورونا حيث تم توجيه مصانع السيارات لانتاج أجهزة التنفس.
ثانيا:
التوسع في الدعم النقدي والعيني للأفراد لضمان الحد الأدنى من الاستهلاك.
من مظاهر خصوصية اقتصاد الأزمة أن الحل لا يكون مبنيا على أسس طبيعية وأنما يراعي تداعيات الأزمة ويخرج من إطار النظرية التي تستوجب عوامل لعملها بكفاءة.
مثلا من غير المنطقي أن يكون الحل هو نفسه في ظل عرض نقود يقدر بحوالي 79 مليار دينار عام 2015 وعرض نقود يبلغ 220 مليار دينار في عام 2025.
لذلك لا يستقيم أن يكون:
فساد في توريد الاعتمادات وتهريبها مع عدم تدخل الدولة وتسمية هذا مناقشة!
ارتفاع معدلات الفقر والمناداة برفع الدعم وعدم التسعير ومحاربة عودة الدعم السلعي!
انخفاض ايرادات الدولة من النقد الأجنبي وانفجار عرض النقود وخلقها الكترونيا مع تحرير سعر الصرف أو ضخ احتياطيات النقد في ثقب أسود دون مردود اقتصادي.
في الختام يجب أن تبنى الرؤى والحلول على واقع الاقتصاد وليس على الأوضاع المثالية، فالأوضاع المتأزمة لا تحل إلا بتشخيص آلية عمل الاقتصاد خلالها وليس بآليات عمل الاقتصاد بالعموم.
وهنا استعير مقولة فقهية قانونية
( الخاص يقيد العام)
وأقول (الأزمة الاقتصادية تقيد آليات الاقتصاد).
لذلك المشكلة تكمن في :
قصور التشخيص: يتم التعامل مع الأزمة الليبية كأزمة “سيولة” أو “سعر صرف” فقط، بينما هي أزمة إنتاجية وهيكلية.
سوء الإدارة: فشل المؤسسات في توجيه الموارد المتاحة (النفط) لبناء اقتصاد مرن.
العامل الاجتماعي والسلوكي: كيف يؤدي “الخوف من المستقبل” إلى سلوكيات مثل الاكتناز، والمضاربة، والاعتماد الكلي على الدولة (الريع)، مما يفاقم الأزمة.