كتب المستشار “مصطفى المانع”: لماذا هبطت أسعار الذهب والفضة؟
في آخر التداولات شهدت أسعار الذهب والفضة أكبر انخفاض منذ عقود، بعد موجة صعود قياسية استمرت منذ نهاية 2025 وأوائل 2026.
فبعد أن وصل سعر الذهب قريبًا من 5,625 دولار للأونصة وسجلت الفضة مستويات تاريخية تجاوزت 120 دولار للأوقية، تراجع الذهب بنحو 9–11% إلى ما بين 4,745–4,901 دولار للأونصة، وتراجعت الفضة بشكل أكبر بنحو 30% إلى مستويات قرب 78–83 دولارًا للأوقية.
وهو ما أثار ردود فعل قوية لدى المستثمرين، في الأسواق العالمية، وأثار أيضاً قلق الكثيرين من غير المستثمرين، ممن لجؤوا للذهب والفضة كملاذ آمن لمدخراتهم.
“وبناء على استفسار كثير من الزملاء والمهتمين عن أسباب الهبوط، أضع في هذا المقال موجزاً عن أهم الاسباب، صغته بلغة مبسطة بعيدة عن التعقيد قدر الامكان، ليسهل الفهم على الجميع”.
أهم أسباب هبوط الذهب والفضة:
1. عمليات جني الأرباح بعد ارتفاعات قياسية.
ارتفاع أسعار الذهب والفضة إلى مستويات قياسية قبل الانخفاض، جذب عمليات جني أرباح موسعة من قبل المستثمرين والصناديق، الذين بدؤوا في البيع لضمان تحقيق العوائد، ما تسبب في زيادة المعروض.
2. صدمة السوق بعد أنباء ترشيح رئيس جديد للفيدرالي الأمريكي.
أعلنت وسائل إعلام أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سيختار كيفن وورش (Kevin Warsh) لرئاسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي عندما تنتهي ولاية جيروم باول
(Jerome Powell) في مايو 2026.
الأسواق رأَت في ذلك تغييرًا متوقعًا في سياسة الفائدة، وتخوفات من تقلبات في توجه الفيدرالي، ما أثار موجة بيع سريعة في الذهب والفضة، وعلى الرغم من أن المرشح الجديد من المفترض أن يتبنى توجهات الرئيس ترامب الذي رشحه والذي يدفع إلى تخفيض اسعار الفائدة.
إلا أن ادراك الأسواق بالنهج الذي كان يتبناه المرشح الجديد في مسيرته والذي يتجه نحو المحافظة على اسعار الفائدة والتعامل معها بحذر، ودعمه لقوة الدولار، وايضاً ادراك الاسواق لتعقيدات صناعة قرار تخفيض الفائدة داخل المجلس الفيدرالي، قلل من رهانهم على الذهب والفضه.
- تأثير ارتفاع قوة الدولار الأمريكي وعوائد السندات.
عقب أنباء اختيار كيفن وورش (Kevin Warsh) مرشحًا لرئاسة الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، ارتفع مؤشر الدولار الأمريكي بشكل ملحوظ، مما قلّص جاذبية الذهب والفضة المقومة بالدولار، كما ارتفعت عوائد السندات الأمريكية، ما جعل المستثمرين يتجهون إلى الأصول التي تدفع فائدة أكثر، مقارنة بالمعادن التي لا تولّد دخلًا مباشراً، كالذهب والفضة.
- انخفاض الطلب على الملاذات الآمنة.
على الرغم من التوترات الاقتصادية والجيوسياسية التي دعمت ارتفاع المعادن في 2025، شهدت معنويات السوق مؤخرًا انخفاضًا نسبيًا في الطلب على الأصول الآمنة مثل الذهب والفضة، وقد يعزى ذلك إلى توقعات السوق بأن التوترات قد بلغت سقفها الأعلى، وليست معرضة لتصعيد أكثر.
5. تراجع أسهم التقنية وزيادة متطلبات الهامش وتأثيرها على السيولة.
مع انخفاض أسهم شركات التقنية مؤخرًا، ارتفعت متطلبات الهامش (Margin)، وهو المبلغ الإلزامي الذي يجب أن يحتفظ به المتداول كضمان عند فتح أي صفقة. ما جعل كثير من المستثمرين مضطرين للتخلص من الذهب والفضة لتوفير السيولة اللازمة لمتطلبات الهامش، لصالح الممولين والوسطاء.
6- خصوصية الفضة مقارنة بالذهب.
الفضة تختلف عن الذهب لأنها ليست معدنًا نفيسًا فقط، بل تستخدم بشكل واسع في الصناعات الإلكترونية والطاقة الشمسية والطب، وغير ذلك، ما يجعلها أكثر تأثرًا بتقلبات توقعات النمو الاقتصادي، بالاخص في ظل انخفاض أسهم التكنولوجيا، لذلك انخفضت الفضة بمعدلات أكبر من الذهب.

ختاماً
ما حدث من انخفاض للذهب والفضة لم يكن مجرد “هبوط عادي” في الأسعار، بل تصحيح حاد بعد موجة صعود غير مسبوقة، وهو انخفاض مدفوع بعوامل نفسية وفنية في السوق، إضافة إلى تغيرات في السياسات الاقتصادية الكبرى.
وعلى الرغم من أن السوق في حالات التحول والاضطراب، يصعب التنبؤ بآداءه ومآلاته، الا أن قوة الدولار الأمريكي ارتفاعاً وانخفاضاً تعد من أوضح العوامل تأثيراً في أسعار الذهب والفضة.
الكاتب هو المستشار مصطفى المانع هو محامٍ ليبي وخبير قانوني واقتصادي منذ أكثر من 24 عامًا، عمل مع عدد من المؤسسات الاستثمارية والصناديق السيادية والبنوك، في عدد من دول العالم بالإضافة إلى ليبيا، ويعمل كخبير لمراكز بحثية دولية، وعمل لسنوات كمستشار لمحافظ مصرف ليبيا المركزي، وترأس وكان عضواً بعدد من الفرق التنفيذية بالمصرف المركزي، كلجنة سعر الصرف وفريق الخطة الاحترازية، وفريق التدقيق، وفريق استعادة الثقة، وفريق سايبر لخلق بيئة تشريعية للتحول الرقمي، كما أنه عضو بمجلس إدارة المؤسسة الليبية للاستثمار والمصرف الليبي الخارجي، كما مثّل ليبيا في اجتماعات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، كما يرأس الفريق التنفيذي لمبادرات رئيس الوزراء والمشروعات الاستراتيجية، كما عمل خبيراً ومحاضراً مع نقابة المحامين الأمريكية، وعضواً معتمداً برابطة محامي أوروبا، كما أنه عضو المجلس الليبي الامريكي للتجارة والاستثمار، وله عدد من البحوث والمقالات المنشورة بالصحف العربية والأمريكية والأوروبية، وله آراءه الجريئة في ملفات التحول الاقتصادي والمالي.