Skip to main content
"الشلوي": عندما يُغلق النفط.. من يدفع الثمن؟
|

“الشلوي”: عندما يُغلق النفط.. من يدفع الثمن؟

كتب: الخبير النفطي والاقتصادي عبدالمنصف الشلوي مقالاً

يكثر الحديث في ليبيا عند كل إغلاق لحقل أو ميناء نفطي عن إعلان المؤسسة الوطنية للنفط (القوة القاهرة)، وكأن الأمر مجرد إجراء إداري أو سياسي.

الحقيقة أن المصطلح يحمل بعد قانوني وتجاري ومالي واقتصادي مهم، ويستخدم على نطاق واسع في عقود النفط والتجارة الدولية.

القوة القاهرة Force Majeure تعني بصورة مبسطة؛ وقوع حدث خارج السيطرة المعقوله للطرف المتعاقد، يجعل تنفيذ بعض التزاماته التعاقديه مستحيل أو متعذر بصورة جوهرية، وفي قطاع النفط قد يكون ذلك نتيجة إغلاق حقل أو خط أنابيب أو ميناء، أو اضطرابات أمنيه أو أعمال قسرية تمنع الإنتاج أو التصدير.

بالتالي؛ فإن إعلان المؤسسة الوطنية للنفط القوة القاهرة لا يعني أنها ترغب في إيقاف الإنتاج، بل يعني أن ظروف خارجه عن إرادتها أصبحت تحول دون الوفاء ببعض التزاماتها، خصوصاً تجاه المشترين والشركاء، والهدف القانوني والتجاري الأساسي هو حماية المؤسسة من بعض المطالبات والتعويضات الناتجة عن عدم تنفيذ التزامات أصبحت متعذرة بسبب ذلك الحدث، وفق شروط العقد والقانون واجب التطبيق.

هذا وقد مارست المؤسسة مثل هذا الإجراء في حالات سابقة، منها إعلان القوة القاهرة في حقل الشرارة في 7 يناير 2024 بعد إغلاقه من قبل محتجين وتوقف إمدادات الخام إلى ميناء الزاوية، كما سبق أن أعلنتها في الشرارة في أبريل 2022 عندما أدى الضغط على العاملين إلى توقف الإنتاج وتعذر تنفيذ الالتزامات التعاقدية.

القوة القاهرة ليست المشكلة.. بل نتيجة المشكلة.

المشكله الحقيقية تبدأ قبل إعلان القوة القاهرة عندما يتحول الحقل أو الميناء أو خط الأنابيب إلى وسيلة ضغط أو تفاوض.

في 15 سبتمبر 2026.. أعلنت المؤسسة أن إغلاق صمام خط الشحن الرئيسي الحمادة الزاوية أدى إلى توقف عمليات الإنتاج والتشغيل في حقول الحمادة والطهارة والمحطة NC5 وحذرت من أنها قد تضطر إلى إعلان القوة القاهرة إذا استمر الإغلاق أو امتد إلى حقول أخرى.

وفي الوقت نفسه، كان إنتاج ليبيا لا يزال في حدود 1.4 مليون برميل يومي وفق تصريحات المؤسسة الوطنية للنفط، رغم الإغلاقات والاضطرابات الأخيرة.

هنا تظهر المفارقة ليبيا تواجه هذه الاضطرابات في وقت يشهد فيه سوق النفط الدولي توترات كبيره وأسعار مرتفعة، فقد تجاوز خام برنت في منتصف سبتمبر 2026 مستوى 100 دولار للبرميل، بل وصل في 17 سبتمبر إلى نحو 104.82 دولار.

أي أن توقيت الإغلاق قد يحرم الدولة من الاستفادة من ظروف سعرية مواتية في السوق العالمية.

ماذا يعني إغلاق النفط للمواطن؟

قد يقول البعض (أغلقوا النفط، فنحن لم نحصل منه على شيء).

قد يكون هذا التعبير مفهوم باعتباره انعكاس لحالة الإحباط لدى المواطن، لكنه اقتصادياً يغفل حقيقية أساسية، في ليبيا لا يتوقف أثر النفط عند مؤسسة النفط بل ينتقل إلى معظم مفاصل الدولة والمجتمع.

فإغلاق النفط يعني.. بدرجات مختلفة:

1/ انخفاض الإيرادات العامة للدولة.
2/ انخفاض تدفق النقد الأجنبي.
3/ زيادة الضغط على الاحتياطيات وسوق الصرف.
4/ صعوبة تمويل المرتبات والدعم والخدمات العامة.
5/ ضغط إضافي على قدرة الدولة على تمويل الواردات.
6/ ارتفاع مخاطر زيادة أسعار السلع والخدمات.
7/ تأخير المشروعات والصيانة والاستثمارات النفطية.
8/ زيادة مخاطر الشركات والمستثمرين الأجانب.
9/ إضعاف ثقة المشترين الدوليين في انتظام الإمدادات الليبية.
10/ خسارة فرص بيعيه لا يمكن دائما تعويضها لاحقاً بالسعر نفسه.

والأمر أكثر حساسية في ليبيا لأن الاقتصاد ما زال شديد الاعتماد على النفط، ويؤكد صندوق النقد الدولي أن آفاق الاقتصاد الليبي تظل مهيمن عليها تطورات قطاع النفط، وأن الاعتماد الكبير على صادرات النفط وفاتورة الواردات يجعل الاقتصاد معرض بقوة للصدمات الداخليه والخارجية، كما أشار إلى أن اضطراب إنتاج النفط كان أحد أسباب ضعف الأداء الاقتصادي في 2024.

بل إن اعتماد الدولة على النفط يتقاطع مع ملف الكهرباء والوقود أيضاً، فقد قدر صندوق النقد الدولي إجمالي فاتورة دعم الطاقة في ليبيا بنحو 17 مليار دولار في 2024، أي نحو 35% من الناتج المحلي، مع استمرار اعتماد ليبيا الكبير على واردات الوقود رغم كونها دولة منتجة للنفط.

الإغلاق لا يضر الدولة فقط، بل يضر قيمة النفط نفسه.

هناك جانب آخر أقل وضوح للمواطن.

المشتري الدولي لا يشتري النفط الليبي على أساس الجودة والسعر فقط وإنما يهتم أيضاً بمدى انتظام الإمدادات والقدرة على الوفاء بالعقود.

وتكرار الإغلاقات يجعل ليبيا أمام مخاطر تتجاوز خسارة براميل الإنتاج المؤقتة، إلى زيادة علاوة المخاطر وتراجع الثقة التجارية وتعقيد التعاقدات المستقبلية وربما ارتفاع تكلفة التمويل والاستثمار في القطاع.

لذلك فإن تحييد النفط عن الصراعات ليس مطلب سياسي فقط، بل هو مصلحة اقتصادية وتجارية وطنية.

ماذا عن المؤسسة الوطنية للنفط؟

من الإنصاف هنا التفريق بين إدارة القطاع النفطي وبين الظروف التي تُفرض عليه من خارجة.

فالمؤسسة مسؤولة عن الإنتاج والتشغيل والصيانة والتصدير والتسويق وإدارة العلاقات والعقود النفطية، لكنها لا تستطيع بمفردها منع إغلاق حقل بالقوة أو حماية خط أنابيب من كل تدخل أو معالجة الانقسام السياسي والأمني الذي يحيط بالقطاع.

مع ذلك، فإن المحافظة على إنتاج يقارب 1.4 مليون برميل يومي في ظل بيئة سياسية وأمنية ومالية معقدة ومع تكرار محاولات الإغلاق تعكس قدرة تشغيلية ومهنية لا ينبغي تجاهلها.

الخلاصة..

إعلان القوة القاهرة ليس إعلان عن رغبة المؤسسة في إيقاف النفط وإنما هو في الأساس أداة قانونية وتجارية لحماية الالتزامات والعقود عندما يصبح تنفيذها متعذر بسبب أحداث خارجة عن السيطرة.

أما إغلاق النفط نفسه، ففي الحالة الليبية لا يوقف تدفق الخام فقط، بل يضغط على الإيرادات العامة والنقد الأجنبي والواردات والمرتبات والخدمات والاستثمار، والثقة الدولية.

لهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرح ليس فقط،(ماذا استفاد المواطن من النفط؟) .. وهو سؤال مشروع تماماً، وإنما أيضاً:

هل معالجة أوجه القصور في إدارة عائدات النفط تكون بإيقاف المصدر الذي يمول الدولة، أم بإصلاح إدارة الإيرادات والإنفاق وتنويع الاقتصاد وتعزيز المؤسسات، مع إبقاء الإنتاج والتصدير بعيد عن الصراع؟

فالنفط ثروة ناضبة، نعم؛ لكن في المرحلة الراهنة لا تزال تمثل العمود الفقري للاقتصاد الليبي، وحمايتها لا تعني الدفاع عن مؤسسة بعينها وإنما حماية مورد وطني تمس آثاره حياة كل مواطن.

من هنا، فإن استمرار المؤسسة الوطنية للنفط في المحافظة على الإنتاج والتشغيل والتصدير، رغم الانقسامات والاضطرابات ونقص التمويل وتعدد الضغوط، يستحق أن يقرأ في إطاره المهني الصحيح، مؤسسة يمكن نقدها ومساءلتها وتطويرها، لكنها تعمل في بيئة استثنائية وما زالت قادرة إلى حد بعيد على إبقاء شريان الاقتصاد الليبي مفتوحاً.

مشاركة الخبر