Skip to main content
"الفارسي": الاعتمادات المستندية في ليبيا.. أين تبدأ مسؤولية كل طرف وأين تنتهي؟
|

“الفارسي”: الاعتمادات المستندية في ليبيا.. أين تبدأ مسؤولية كل طرف وأين تنتهي؟

كتب عضو لجنة السياسة النقدية بالمركزي “أيوب الفارسي” مقالاً قال خلاله:

علاج ملف الاعتماد الذي يستنزف النقد الأجنبي يبدأ بتحديد أطراف العلاقة وتحميل كل منهم مسؤوليته.

تمر عملية الاستيراد عن طريق الاعتمادات المستندية في ليبيا بسلسلة من الإجراءات تتوزع مسؤولياتها بين عدة جهات، تبدأ من وزارة الاقتصاد والتجارة باعتبارها الجهة المختصة بتنظيم النشاط التجاري وترخيص الشركات، مروراً بالمصارف التجارية التي تتعامل مباشرة مع الشركات وتفتح الاعتمادات المستندية، ثم مصرف ليبيا المركزي الذي يوفر النقد الأجنبي للمصارف لتغطية طلبات عملائها، وصولاً إلى الجمارك والجهات الرقابية بالمنافذ، وانتهاءً بالجهات المختصة بمتابعة السلع والأسعار داخل السوق المحلي.

ومن المهم التمييز بين هذه الاختصاصات، وتحديد مسؤولية كل جهة في كل مرحلة.

  1. وزارة الاقتصاد والتجارة: تنظيم النشاط التجاري وترخيص الشركات

تبدأ المسؤولية من وزارة الاقتصاد والتجارة والجهات التابعة لها والمختصة بالتسجيل والترخيص التجاري، باعتبارها الجهة المعنية بتنظيم النشاط التجاري وتحديد الأطر القانونية لممارسة أنشطة الاستيراد والتجارة.

وتشمل مسؤولياتها، وفق التشريعات واللوائح النافذة، تسجيل وترخيص الشركات والمنشآت التجارية، وتحديد الأنشطة المسموح لها بمزاولتها، والتحقق من استيفائها للمتطلبات القانونية اللازمة لممارسة النشاط.

وبالتالي، فإن الشركة التي تتقدم إلى أحد المصارف بطلب فتح اعتماد مستندي يفترض أن تكون قد استوفت مسبقاً متطلبات تأسيسها وتسجيلها وترخيص نشاطها لدى الجهات المختصة، وأن تكون مستنداتها القانونية والتجارية سارية وفقاً للتشريعات النافذة.

  1. المصارف التجارية: التعامل مع العميل وفتح الاعتماد المستندي

بعد استيفاء الشركة لوضعها القانوني والتجاري، تبدأ مسؤولية المصرف التجاري الذي تتعامل معه الشركة.

فالمصرف التجاري هو الذي يفتح الحساب للعميل، ويتلقى منه طلب فتح الاعتماد المستندي، ويتحقق من استيفائه للمتطلبات والضوابط المصرفية المعمول بها، ويتحمل مسؤولية فحص المستندات المقدمة إليه والتحقق منها وفقاً للإجراءات والضوابط المنظمة للعمل المصرفي والاعتمادات المستندية.

وعليه، فإن العلاقة المباشرة مع الشركة المستوردة، وقبول طلبها، واستيفاء مستندات فتح الاعتماد والتحقق منها، تقع في الأساس على عاتق المصرف التجاري الذي يتعامل مع العميل.

وبعد استكمال الإجراءات، يقوم المصرف التجاري بإحالة طلب التغطية بالنقد الأجنبي إلى مصرف ليبيا المركزي وفق الآليات والضوابط المعتمدة.

  1. مصرف ليبيا المركزي: توفير النقد الأجنبي للمصارف

يأتي دور مصرف ليبيا المركزي في هذه المرحلة باعتباره السلطة النقدية والجهة المسؤولة عن إدارة النقد الأجنبي وتنظيم استخداماته.

فالمصرف المركزي لا يتعامل مباشرة مع الشركة المستوردة في فتح الاعتماد، وإنما يتعامل مع المصرف التجاري الذي يقدم إليه طلب التغطية لحساب عميله.

وتتمثل مسؤولية المصرف المركزي في وضع الأطر والضوابط العامة المنظمة لاستخدامات النقد الأجنبي، وتلقي طلبات التغطية المحالة من المصارف، وتوفير النقد الأجنبي اللازم لتغطية الاعتمادات المستندية المقبولة وفق الآليات المعتمدة، مقابل تسوية قيمتها بالدينار الليبي.

وبالتالي، ينبغي التمييز بين مسؤولية المصرف التجاري عن علاقته بعميله وإجراءات فتح الاعتماد ومستنداته، وبين مسؤولية المصرف المركزي عن توفير التغطية بالنقد الأجنبي للمصرف التجاري والرقابة عليه في حدود اختصاصه المصرفي.

  1. مصلحة الجمارك والجهات العاملة بالمنافذ: التحقق من دخول البضائع

بعد فتح الاعتماد وشحن البضاعة، تنتقل العملية إلى مرحلة أخرى تختلف كلياً عن عملية توفير النقد الأجنبي.

فمسؤولية التحقق من وصول البضاعة فعلياً إلى ليبيا ودخولها عبر المنافذ الرسمية تقع على الجهات المختصة في المنافذ، وفي مقدمتها مصلحة الجمارك الليبية.

وتتولى الجمارك الإجراءات الجمركية المتعلقة بالشحنة، ومطابقة البيانات والمستندات وفق اختصاصها، وإثبات دخول البضائع والإفراج عنها وفق الإجراءات القانونية المعمول بها.

ومن ثم فإن متابعة الوصول المادي للبضائع والتحقق من دخولها إلى البلاد ليست من المهام الميدانية لمصرف ليبيا المركزي، وإنما تقع على الجهات المختصة بالمنافذ.

  1. الجهات الرقابية المختصة: سلامة السلع ومطابقتها للمواصفات

أما التأكد من سلامة السلع المستوردة ومطابقتها للمواصفات والمعايير المعتمدة، فيقع على الجهات الفنية والرقابية المختصة بحسب نوع السلعة.

ويأتي في مقدمتها مركز الرقابة على الأغذية والأدوية بالنسبة للسلع الواقعة ضمن اختصاصه، حيث يتولى عمليات التفتيش والفحص والتحليل واتخاذ الإجراءات المقررة بشأن مدى مطابقة المنتجات للاشتراطات والمواصفات المعمول بها قبل السماح بتداولها وفقاً لاختصاصاته.

وبالتالي، فإن فتح اعتماد مستندي أو توفير النقد الأجنبي لاستيراد سلعة لا يعني بذاته الحكم على سلامة السلعة أو مطابقتها للمواصفات؛ فهذه مسؤولية الجهات الفنية المختصة.

  1. متابعة السلع والأسعار داخل السوق المحلي

بعد دخول البضائع والإفراج عنها ووصولها إلى السوق، تبدأ مرحلة أخرى تتعلق بالتجارة الداخلية والأسعار والرقابة الميدانية.

وهنا تعود المسؤولية إلى الجهات التنفيذية والرقابية المختصة، وفي مقدمتها وزارة الاقتصاد والتجارة في تنظيم النشاط التجاري وما يدخل ضمن اختصاصها بشأن الأسعار وهوامش الربح والتداول، وجهاز الحرس البلدي في أعمال التفتيش والضبط الميداني ومتابعة المحال والمخازن ومدى الالتزام بالتشريعات والقرارات المنظمة.

كما تتولى الجهات الأمنية والنيابية المختصة التحقيق في حالات التهريب أو الغش أو الاحتكار أو الجرائم الاقتصادية متى توافرت شبهة مخالفة أو جريمة.

الخلاصة

من المهم عند الحديث عن الاعتمادات المستندية عدم تحميل جهة واحدة مسؤولية سلسلة كاملة تتداخل فيها اختصاصات عدة مؤسسات.

وزارة الاقتصاد والتجارة والجهات المختصة بالتسجيل والترخيص مسؤولة عن الإطار القانوني لممارسة الشركة لنشاطها التجاري، والمصرف التجاري مسؤول عن علاقته بعميله واستيفاء متطلبات فتح الاعتماد وفحص المستندات المقدمة إليه وفق الضوابط، بينما تتمثل مسؤولية مصرف ليبيا المركزي في إدارة وتوفير النقد الأجنبي للمصارف وتطبيق الإطار النقدي والرقابي الواقع ضمن اختصاصه.

وبعد ذلك، تتولى مصلحة الجمارك والجهات المختصة بالمنافذ مسؤولياتها المتعلقة بدخول البضائع، وتتولى الجهات الفنية والرقابية التحقق من سلامتها ومطابقتها للمواصفات، ثم تتولى وزارة الاقتصاد والحرس البلدي والجهات الضبطية المختصة مسؤولية متابعة النشاط التجاري والأسواق والأسعار وفق الاختصاصات المقررة لكل منها.

وبذلك، فإن تمويل الاستيراد، وفتح الاعتماد، ودخول البضاعة، وفحصها، ثم تداولها وتسعيرها في السوق هي حلقات متتابعة، لكنها ليست مسؤولية جهة واحدة، بل لكل جهة مسؤوليتها التي تبدأ وتنتهي عند الحدود التي رسمها لها القانون واللوائح المنظمة.

مشاركة الخبر