كتب الخبير النفطي “منصف الشلوي” مقالاً قال خلاله:
تكشف بيانات المؤسسة الوطنية للنفط عن استمرار مستويات مهمة من إنتاج النفط والغاز خلال سبتمبر 2026 .. إلا أن قراءة هذه الأرقام لا ينبغي أن تتوقف عند حجم الإنتاج .. بل تمتد إلى كيفية توظيف هذه الموارد وتحويلها إلى قيمة اقتصادية مستدامة ..
فقد بلغ إنتاج النفط الخام خلال سبتمبر نحو 40.23 مليون برميل .. بمتوسط يقارب 1.34 مليون برميل يومياً .. فيما بلغت حصة الدولة الليبية نحو 31.34 مليون برميل .. مقابل 8.98 مليون برميل لحصة الشركاء ..
ومن حصة الدولة .. تم توجيه نحو 27.57 مليون برميل للنفط الخام و 3.32 مليون برميل للمصافي .. إضافة إلى نحو 445.8 ألف برميل لمحطات الكهرباء ..
وتوضح هذه الأرقام أن البرميل الليبي لا يمثل مجرد سلعة تصديرية .. بل يدخل في منظومة متكاملة تشمل التصدير وتوفير النقد الأجنبي وتغذية المصافي وإنتاج الكهرباء وتمويل الاقتصاد الوطني ..
كما بلغ متوسط سعر خام النفط في أغسطس نحو 90.837 دولاراً للبرميل وهو مستوى يوفر دعماً مهماً للإيرادات .. إلا أن المعادلة الحقيقية تبقى مرتبطة بالكمية والسعر وكفاءة التسويق والتحصيل وليس بالسعر وحده ..
2.86 مليار دولار
إلى الحساب السيادي
على الجانب المالي، تظهر البيانات تحويل نحو 2.863 مليار دولار إلى الحساب السيادي بالمصرف الليبي الخارجي خلال سبتمبر .. بينما بلغت الإتاوات وضرائب عقود الامتياز نحو 2.001 مليار دينار ليبي ..
وهنا ينبغي التمييز بين قيمة الإنتاج وبين الإيراد الذي يصل فعلياً إلى الدولة في ظل حصص الشركاء والتكاليف والالتزامات التعاقدية والإتاوات والضرائب ..
لذلك فإن السؤال الاقتصادي الأهم ليس فقط : كم أنتجنا ؟ بل أيضاً : كم بعنا ؟ وبأي سعر ؟ وكم دخل فعلياً إلى الدولة ؟ وما القيمة التي بقيت داخل الاقتصاد الليبي ؟
الغاز .. ثروة تتجاوز الكهرباء
بلغ إنتاج الغاز الطبيعي خلال سبتمبر نحو 76.01 مليار قدم مكعب .. منها نحو 75.20 مليار قدم مكعب متاحة للاستهلاك ..
وتكشف البيانات الأسبوعية للفترة من 27 سبتمبر إلى 3 أكتوبر عن استهلاك محلي بلغ نحو 7.97 مليار قدم مكعب .. استحوذت الشركة العامة للكهرباء على نحو 6.634 مليار قدم مكعب .. أي حوالي 83% ..
فيما استهلكت المؤسسة الوطنية للنفط نحو 602 مليون قدم مكعب ومصانع الحديد والصلب نحو 635.8 مليون قدم مكعب ومصانع الإسمنت نحو 97.5 مليون قدم مكعب ..
وهذه الأرقام تؤكد أن الغاز يمثل شرياناً رئيسياً للكهرباء والصناعة في ليبيا وأن أي اضطراب في إنتاجه أو نقله لا ينعكس على قطاع النفط فقط .. بل يمتد مباشرة إلى الكهرباء والإنتاج الصناعي والخدمات والاقتصاد ككل ..
كما سجلت البيانات استهلاك نحو 45.42 ألف طن من الديزل وقرابة 967 طناً من زيت الوقود خلال الأسبوع ، وهو ما يعيد التأكيد على أهمية التوسع في استخدام الغاز ورفع كفاءة منظومة الطاقة ..
من تصدير الخام
إلى بناء اقتصاد منتج
الأرقام السابقة تقود إلى قضية أكبر من نتائج شهر واحد ..
فليبيا تمتلك إنتاجاً نفطياً يتجاوز 1.3 مليون برميل يومياً وموارد غازية كبيرة وموقعاً جغرافياً قريباً من الأسواق الأوروبية ومع ذلك يبقى التحدي الحقيقي في تعظيم القيمة المضافة من هذه الموارد ..
فالمطلوب ليس فقط زيادة إنتاج النفط والغاز .. وإنما توظيفهما في تطوير المصافي والبتروكيماويات والأسمدة والحديد والصلب والصناعات التحويلية، وتحويل الغاز من مجرد وقود للكهرباء إلى مدخل رئيسي للتنمية الصناعية ..
كما أن المحافظة على استقرار الإنتاج وحماية خطوط نقل النفط والمنشآت النفطية أصبحت مسألة اقتصادية وطنية .. لأن توقف الإنتاج لا يعني فقط فقدان براميل .. بل يعني أيضاً خسارة في الإيرادات والنقد الأجنبي والاستثمار وثقة الأسواق ..
الخلاصة .
تعكس بيانات سبتمبر صورة قطاع قادر على إنتاج أكثر من 40 مليون برميل من النفط و76 مليار قدم مكعب من الغاز شهرياً وتحقيق تدفقات مالية مهمة للدولة .
لكن القيمة الحقيقية لهذه الثروة لا تقاس فقط بما ننتجه ونصدره وإنما بما نستطيع أن نبنيه من اقتصاد حولها .
فالهدف يجب ألا يكون : إنتاج النفط → تصديره → تحصيل الإيرادات .
بل :
إنتاج مستدام → قيمة مضافة → صناعة → وظائف → صادرات غير نفطية → اقتصاد ليبي أكثر تنوعاً وأقل اعتماداً على النفط الخام .
وهنا يصبح النفط والغاز وسيلة لبناء الاقتصاد الليبي وليس الاقتصاد نفسه .





