Skip to main content
"المانع": مصرف النوران.. تصنيف يعزز الثقة في السوق الليبي
| ,

“المانع”: مصرف النوران.. تصنيف يعزز الثقة في السوق الليبي

كتب المستشار مصطفى المانع: مصرف النوران.. تصنيف يعزز الثقة في السوق الليبي

يمثل حصول مصرف النوران على تصنيف ائتماني وطني ودولي من الوكالة الإسلامية الدولية للتصنيف (Islamic International Rating Agency – IIRA) محطة مهمة في مسيرة المصرف، ليس فقط لما يعكسه من تقييم مستقل لمركزه المالي، بل أيضاً لما يقدمه من مؤشرات عن فرص تطوير القطاع المصرفي الليبي وتعزيز قدرته على استقطاب الاستثمار وتوسيع علاقاته المالية الدولية.

ففي الأول من أكتوبر 2026، منحت الوكالة المصرف تصنيف A+/A1+ على المقياس الوطني، وB+/B على المقياس الدولي، مع نظرة مستقبلية مستقرة لكلا التصنيفين. وتكتسب هذه النتيجة أهميتها من أنها تستند إلى تقييم لجوانب متعددة تشمل رأس المال والسيولة وجودة الأصول والربحية والحوكمة وإدارة المخاطر، بما يوفر قراءة أكثر شمولاً لوضع المصرف من الاكتفاء بمؤشر مالي واحد.

ويأتي هذا الإنجاز في سياق تتزايد فيه أهمية الشفافية والتقييمات المستقلة في بناء الثقة بالقطاع المصرفي، خصوصاً في الأسواق التي تحتاج إلى توسيع علاقاتها المالية الدولية وتحويل الفرص الاقتصادية المتاحة إلى أنشطة استثمارية وتمويلية مستدامة.

تعود ملكية مصرف النوران إلى المصرف الليبي الخارجي وشركة قطر القابضة ذ.م.م. ويشكل اجتماع هذين المساهمين أحد العناصر التي أبرزها تقرير الوكالة ضمن العوامل الإيجابية الداعمة للتصنيف.

فالمصرف الليبي الخارجي، المملوك لمصرف ليبيا المركزي، يوفر للمصرف روابط مؤسسية راسخة في الأسواق الدولية والخليجية، وشبكة من علاقات المراسلة المصرفية التي تدعم التعاملات بالعملات الأجنبية والمدفوعات العابرة للحدود والأنشطة المرتبطة بالتجارة. وفي المقابل، يضيف المساهم القطري خبرة في الاستثمار الدولي وممارسات الحوكمة المؤسسية وموارد مالية، وفقاً لما أورده التقرير.

وتتجاوز أهمية هذا النموذج مجرد اجتماع مساهمين من دولتين؛ إذ يعكس إمكانية توظيف الشراكات الاستثمارية في تطوير المؤسسات المالية الليبية، والاستفادة من الخبرات والعلاقات الدولية في تحسين الخدمات المصرفية وتوسيع نطاق الأعمال.

وبالنسبة إلى المستثمرين، فإن وجود شراكة مؤسسية تجمع بين رأس المال الوطني والاستثمار القطري، مدعومة بروابط مالية دولية، يمثل عنصراً يستحق الاهتمام عند تقييم فرص السوق الليبي. غير أن الأثر الفعلي لهذه المزايا يظل مرتبطاً بقدرة المصرف على توظيفها في توسيع نشاطه وتحقيق نمو مستدام.

تتضح أهمية التصنيف عند قراءة المؤشرات المالية التي استند إليها التقرير، إذ لا تقتصر نقاط القوة على السيولة، بل تشمل أيضاً الرسملة وجودة الأصول ومصادر التمويل.

فقد بلغت نسبة كفاية رأس المال لدى مصرف النوران 59.6% في نهاية عام 2025، مقارنة بـ33.2%، وفق المقارنة الواردة في التقرير. كما ارتفع إجمالي حقوق الملكية بنسبة 69.9% خلال عام 2025، ثم بنسبة إضافية بلغت 20.4% في النصف الأول من عام 2026. ويشير ذلك إلى وجود قاعدة رأسمالية توفر هامش حماية مهماً في مواجهة المخاطر المحتملة.

وفي جانب السيولة، بلغت الأصول السائلة ما يعادل 134% من قاعدة التمويل في يونيو 2026، فيما بلغت نسبة تغطية السيولة 208% في عام 2025. وتوفر هذه المؤشرات دعماً لقدرة المصرف على مواجهة الالتزامات وضغوط السيولة.

أما جودة الأصول، فقد أظهر التقرير أن نسبة التمويلات غير المنتظمة لدى المصرف بلغت نحو 3.6%، مقارنة بمتوسط للقطاع بلغ 19.3% في ديسمبر 2025. وتبدو هذه الفجوة إيجابية للمصرف، مع ضرورة أخذ محدودية محفظة التمويل في الاعتبار عند تفسير المقارنة.

وتكتسب هذه الأرقام أهميتها من اجتماعها في تقييم واحد: قاعدة رأسمالية قوية، ومستويات مرتفعة من السيولة، ومؤشرات مواتية نسبياً لجودة الأصول. وهي عناصر تعزز قدرة المصرف على مواجهة المخاطر، لكنها لا تغني عن ضرورة تطوير النشاط الأساسي وتنويع مصادر الدخل.

من المهم أن تُقرأ نتائج التصنيف في ضوء جميع ما ورد في التقرير، لا في ضوء المؤشرات الإيجابية وحدها. فقد سجل المصرف توسعاً في إجمالي أصوله بنسبة 46% خلال عام 2025، وبنسبة إضافية بلغت 23.1% حتى نهاية النصف الأول من عام 2026. غير أن التقرير يوضح أن جانباً كبيراً من هذا النمو تركز في الأرصدة عالية السيولة، بدلاً من الأصول المدرة للدخل.

فقد شكل النقد وما في حكمه 97.6% من إجمالي الأصول في نهاية عام 2025، بينما لم تتجاوز انكشافات التمويل والاستثمار مجتمعة 1.1% من الأصول.

وهنا تظهر المسألة الأساسية التي تواجه المصرف في المرحلة المقبلة: كيف يمكن الانتقال من قوة السيولة والتحفظ في إدارة الميزانية إلى توظيف أكثر فاعلية للموارد، يوسع النشاط المصرفي ويرفع القدرة على تحقيق الأرباح، دون الإخلال بمستويات الأمان المالي؟

هذا التحدي لا يخص مصرف النوران وحده، بل يرتبط بواقع أوسع في القطاع المصرفي الليبي، حيث تتعايش مستويات مرتفعة من السيولة مع محدودية الوساطة المالية والقيود المفروضة على الإقراض. وتظل معالجة هذه المعادلة ضرورية لتمكين المصارف من أداء دور أكبر في تمويل النشاط الاقتصادي والقطاع الخاص.

أشار التقرير إلى تحسن ملموس في ربحية مصرف النوران خلال النصف الأول من عام 2026، مدعوماً بنمو إيرادات الخدمات المصرفية وتحسن الرفع التشغيلي، مع مساهمة ملحوظة من عمولات الاعتمادات المستندية ورسوم صيانة الحسابات والخدمات المصرفية الإلكترونية.

لكن التقرير نبه أيضاً إلى أن محدودية مساهمة أنشطة التمويل والاستثمار تقيد تنويع الإيرادات والربحية، وأن بعض المكاسب المرتبطة بتقييم العملات الأجنبية قد تكون متقلبة وغير قابلة للتكرار بالمستويات نفسها.

وتكمن أهمية هذه الملاحظة في التمييز بين تحسن النتائج خلال فترة معينة وبين القدرة على المحافظة عليها على المدى الطويل. فاستدامة الأرباح تتطلب تنمية مصادر الدخل المصرفي الأساسي، وتوسيع الخدمات، وتحسين كفاءة الإنفاق، وزيادة توظيف الأصول في أنشطة مدرة للدخل وفق سياسات ائتمانية منضبطة.

ومن هذا المنطلق، فإن المرحلة التالية من تطور المصرف لا ينبغي أن تُقاس بنمو الأصول والسيولة وحدهما، وإنما بمدى نجاحه في تحويل قوته المالية إلى نشاط مصرفي أكثر تنوعاً وقدرة على خدمة الاقتصاد.

لم يقتصر تقييم الوكالة على المؤشرات المالية، بل تناول منظومة الحوكمة والرقابة الداخلية وإدارة المخاطر والامتثال.

ووفقاً للتقرير، يضم مجلس إدارة المصرف إحدى عشرة عضواً، وتسانده خمس لجان متخصصة تغطي التدقيق والامتثال وإدارة المخاطر والحوكمة والترشيحات والمكافآت وحوكمة تقنية المعلومات. كما توجد وظائف مستقلة لإدارة المخاطر والتدقيق الداخلي والامتثال، مع رفع تقارير التدقيق الداخلي والامتثال مباشرة إلى لجنة التدقيق التابعة لمجلس الإدارة.

وتعكس هذه الهياكل أهمية الفصل بين إدارة العمليات والرقابة عليها، وتوفير مستويات متعددة من الإشراف على القرارات والمخاطر المصرفية.

ومع ذلك، حدد التقرير جوانب تحتاج إلى مزيد من التطوير، من بينها تمثيل الأعضاء المستقلين في لجان مجلس الإدارة الرئيسية واستقلالية رئاسة بعض اللجان، فضلاً عن استمرار العمل على تقييم إطار الحوكمة والمخاطر والامتثال، وتعزيز الضوابط المتعلقة بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.

كما أشار إلى وجود خطة لمعالجة فجوات مرتبطة بالعوامل البيئية والاجتماعية والحوكمة، تشمل اعتماد سياسة رسمية للاستدامة، ودمج هذه العوامل في إدارة المخاطر المؤسسية، والعمل على إصدار تقرير سنوي للاستدامة.

وهذه الملاحظات لا تنتقص من أهمية التصنيف، بل تضعه في إطاره المهني الصحيح؛ فالتقييم المستقل لا يقتصر على إبراز نقاط القوة، وإنما يحدد كذلك المجالات التي يتطلب تطويرها للحفاظ على الأداء وتعزيز الثقة المؤسسية.

تمثل الخدمات المصرفية الرقمية أحد المسارات المهمة لتطوير أعمال المصرف. وقد أشار التقرير إلى أن إطلاق حسابات «URIAH» واستمرار استقطاب العملاء عبر القنوات الرقمية يمكن أن يساهما في دعم نمو الودائع وتنويع مصادر التمويل.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية في سوق يحتاج إلى توسيع الوصول إلى الخدمات المصرفية وتحسين كفاءتها، مع توفير قنوات أكثر سهولة للعملاء والشركات.

لكن التوسع الرقمي لا يُقاس بعدد الخدمات المتاحة وحده؛ إذ ترتبط نتائجه بمدى استخدامها، وقدرته على تحسين تجربة العملاء، وتوسيع قاعدة الودائع، ورفع كفاءة العمليات، مع المحافظة على أمن المعلومات وجودة إدارة المخاطر التشغيلية.

وإذا اقترن التطور الرقمي بتوسيع النشاط المصرفي الأساسي، فقد يصبح أحد العوامل التي تساعد المصرف على الانتقال من الاعتماد الكبير على الأرصدة السائلة إلى نموذج أكثر تنوعاً في مصادر الدخل والاستخدامات.

يعكس التصنيف الوطني A+/A1+ موقع المصرف وفق المقياس الوطني للوكالة، فيما يعبر التصنيف الدولي B+/B عن تقييمه وفق المقياس الدولي، مع الأخذ في الاعتبار المخاطر السيادية المرتبطة بليبيا.

ولا ينبغي التعامل مع الدرجتين باعتبارهما مستويين على سلم واحد؛ فلكل مقياس منهجيته ودلالته. كما أن التصنيف الدولي لا يثبت بمفرده أن مخاطر المصرف أقل من المخاطر السيادية، ولا يكفي وحده للحكم على قدرته على الحصول على تمويل خارجي بشروط معينة.

أما النظرة المستقبلية المستقرة، فتعني أن تقييم الوكالة لا يشير حالياً إلى اتجاه متوقع لتغيير التصنيف خلال الأفق الذي تغطيه النظرة المستقبلية. لكنها لا تمثل ضماناً لاستمرار النتائج أو استبعاداً للمخاطر.

ومن ثم، فإن القيمة العملية للتصنيف تكمن في توفير مرجع مستقل يساعد المستثمرين والشركاء الماليين على فهم وضع المصرف، إلى جانب البيانات المالية والتشغيلية وغيرها من المعلومات اللازمة لاتخاذ القرارات.

إن الترويج للسوق الليبي لا يعني تجاهل التحديات التي تواجهه، كما أن الاعتراف بهذه التحديات لا ينبغي أن يحجب الفرص المتاحة فيه.

فالاقتصاد الليبي يمتلك موارد طبيعية كبيرة، وتوجد احتياجات واسعة لتطوير البنية التحتية والخدمات والطاقة والتجارة والتمويل. وتوفر هذه الاحتياجات مجالات يمكن أن تنشأ فيها فرص استثمارية، شريطة تقييمها وفق معايير واضحة للمخاطر والعوائد والحوكمة والقدرة على التنفيذ.

وفي القطاع المصرفي تحديداً، تبرز أهمية تطوير الخدمات العابرة للحدود، وتوسيع علاقات المراسلة المصرفية، وتحسين خدمات الشركات والتجارة الخارجية، وزيادة قدرة المصارف على تمويل الأنشطة الاقتصادية المنتجة.

ويقدم مصرف النوران، بحكم هيكل ملكيته وروابطه الدولية والتصنيف الذي حصل عليه، مثالاً يستحق الدراسة عند بحث إمكانات تطوير المؤسسات المالية الليبية. غير أن تعميم التجربة على القطاع يتطلب النظر في اختلاف أوضاع المصارف، ومستويات رأس المال والسيولة وجودة الأصول، فضلاً عن البيئة التنظيمية والاقتصادية التي تعمل فيها.

كما أن الاستثمار في ليبيا يحتاج إلى معالجة التحديات المؤسسية، وتحسين استقرار السياسات الاقتصادية، وتعزيز الشفافية، وتطوير أدوات إدارة المخاطر. وهذه المتطلبات ليست استثناءً من قواعد الاستثمار، بل هي جزء أساسي من تحويل الفرص المتاحة إلى استثمارات مستدامة.

تمنح الشراكة بين المصرف الليبي الخارجي وشركة قطر القابضة مصرف النوران مقومات مؤسسية يمكن البناء عليها لتوسيع العلاقات المالية وتعزيز الخبرات وتطوير الخدمات.

وتزداد أهمية هذه الشراكة عندما تقترن بنتائج قابلة للقياس، مثل نمو الأعمال المصرفية الأساسية، وتوسيع قاعدة العملاء، وتحسين كفاءة استخدام الأصول، وتعزيز الحوكمة والرقابة الداخلية، وتطوير المنتجات والخدمات التي يحتاج إليها الأفراد والشركات.

ومن منظور أوسع، فإن نجاح الشراكات الاستثمارية في المؤسسات الليبية يمكن أن يسهم في تعزيز ثقة المستثمرين في إمكانات السوق، ويدعم البحث عن فرص تعاون جديدة بين ليبيا وشركائها الإقليميين والدوليين. غير أن ذلك يظل مرتبطاً بالنتائج الفعلية، وليس بمجرد هيكل الملكية أو الحصول على تصنيف ائتماني.

يؤكد حصول مصرف النوران على تصنيف ائتماني وطني ودولي أن لدى المصرف مقومات مالية ومؤسسية مهمة، أبرزها قوة رأس المال، وارتفاع مستويات السيولة، والمؤشرات المواتية لجودة الأصول، إلى جانب هيكل الملكية والروابط المالية الدولية.

وفي المقابل، يحدد التقرير بوضوح تحديات تتعلق بمحدودية توظيف الأصول في أنشطة التمويل والاستثمار، وتنويع الإيرادات، واستدامة الربحية، واستكمال تطوير بعض جوانب الحوكمة وإدارة المخاطر.

ومن هنا، فإن التحدي أمام المصرف لا يقتصر على المحافظة على التصنيف الحالي، بل يمتد إلى تحسين قدرته على تحويل الموارد المالية المتاحة إلى نشاط مصرفي منتج، يحقق نمواً مستداماً ويحافظ على مستويات قوية من الملاءة والسيولة.

أما بالنسبة إلى القطاع المصرفي الليبي، فإن أهمية هذه التجربة تكمن في إمكانية الاستفادة منها لتعزيز ثقافة التقييم المستقل والشفافية والانضباط المؤسسي، وتشجيع المصارف على تطوير أدائها وفق معايير قابلة للقياس والمقارنة.

مشاركة الخبر