Skip to main content
"أحمد بن موسى" يكتب: السياسات الاقتصادية الرشيدة عموماً تقضي بدعم الإنتاج وليس دعم الاستهلاك
|

“أحمد بن موسى” يكتب: السياسات الاقتصادية الرشيدة عموماً تقضي بدعم الإنتاج وليس دعم الاستهلاك

كتب رجل الأعمال “أحمد بن موسى” مقالاً قال فيه: السياسات الاقتصادية الرشيدة عموماً تقضي بدعم الإنتاج وليس دعم الاستهلاك، فدعم الإنتاج يؤدي تدريجياً إلى زيادة حجم الناتج المحلي الإجمالي، رفع متوسط دخل الفرد، خفض نسب البطالة، تحسين مهارات وإنتاجية القوى العاملة، توطين المعرفة والتقنية، تقليل الاعتماد على الواردات، فتح فرص للتصدير، وتعديل الميزان التجاري لصالح البلد .

كل هذه العوامل تؤدي بطبيعة الحال إلى تحسن المستوى المعيشي للمواطنين ونقل الكثيرين من الطبقات الدنيا إلى الطبقة المتوسطة وتحقيق الرخاء الاقتصادي الذي يطمح إليه أي مجتمع على النقيض، فإن دعم الاستهلاك عموماً يصنع عادات استهلاكية سيئة تترسخ مع الوقت، فحين يصبح الوقود والكهرباء أرخص من الماء، يتوقف الناس عن حساب ما يستهلكون، تُترك المحركات تعمل بلا حاجة، وتُستخدم السيارة لأقصر المشاوير، وتُشغَّل المكيفات والأجهزة على مدار الساعة، وتُهدر الطاقة لأن ثمنها لا يؤلم أحداً، ثم يتحول الهدر إلى سلوك اجتماعي مألوف.

وتموت ثقافة الترشيد والكفاءة قبل أن تولد .. وتصبح هذه العادات عبئاً على الاقتصاد والبيئة والأجيال القادمة .. وبما أن هذه الموارد تُباع داخلياً بأقل من قيمتها الحقيقية، فإن المجتمع يخسر مرتين: مرة عندما تحرق ثروته الناضبة بثمن زهيد، ومرة عندما يحرم من تصديرها بسعر السوق العالمي والأسوأ أن هذا الفارق الكبير بين السعر المحلي والسعر العالمي يفتح باباً واسعاً لتهريب الوقود .. وتتحول المحطات إلى طوابير وأزمات نقص متكررة يدفع ثمنها المواطن البسيط، بينما تتشكل شبكات تهريب منظمة تنمو بالمال والنفوذ وتنخر مؤسسات الدولة بالفساد،فيذهب الدعم إلى جيوب المهربين لا إلى مستحقيه، وتُنهب ثروة البلد من تحت أقدام أهلها، ولا يقف الضرر هنا، فالدعم يضخ الأموال في السوق دون أن يقابلها إنتاج حقيقي، فيرتفع الطلب على السلع المستوردة، وتتضخم فاتورة الاستيراد، وتتآكل احتياطيات العملة الصعبة، ويشتعل التضخم، وتنخفض القوة الشرائية للمواطن نفسه الذي يظن إن الدعم جاء لحمايته، ويرهق ميزانية الدولة بالتزامات متراكمة يصعب التراجع عنها سياسياً، ويخلق ثقافة اتكالية تضعف دافع العمل والمبادرة والابتكار وريادة الأعمال ،والنتيجة اقتصاد يستهلك أكثر مما ينتج، يعتمد على الخارج في تأمين أبسط احتياجاته، ويبقى رهينة لتقلبات أسعار النفط والأسواق العالمية،فما كان يبدو رفاهية بالأمس، ليس إلا دَيناً مؤجلاً ندفع ثمنه اليوم وغداً

ومن المفارقات أن دعم الاستهلاك، وإن جاء باسم الفقراء، فإن الجزء الأكبر منه يذهب إلى الأغنياء .. فالدعم يُوزَّع عملياً بحسب حجم الاستهلاك، ومن يستهلك أكثر يستفيد أكثر .. صاحب الفيلا الكبيرة والمكاتب المكيفة طوال اليوم والسيارات التي لا تُحصى يحصد النصيب الأكبر من الوقود والكهرباء المدعومة، بينما الأسرة محدودة الدخل التي تسكن بيتاً صغيراً ولا تملك إلا سيارة واحدة قديمة، أو لا تملك أصلاً، لا يصلها إلا الفتات ، والأدهى أن هذه الأسرة نفسها هي من تتحمل كلفة الهدر في صورة تضخم وارتفاع أسعار، وهي من تقف في الطوابير وتشتري من السوق السوداء حين تشح الإمدادات، بينما يملك الأغنياء الوسائل لتأمين احتياجاتهم مهما حدث،أي أن من يحتاج الدعم أكثر هو من يستفيد منه أقل، ومن لا يحتاجه أصلاً هو من يستفيد منه أكثر،لا يمكن بأي حال من الأحوال تحقيق العدالة اجتماعية بهذا النظام، فهو يعمل باستمرار على تحويل ثروة البلد من الأغلبية إلى القلة .. فالدعم الحقيقي يجب أن يكون لمن يستحقه، وذلك بتوجيهه مباشرة إلى الفئات الأضعف، وبخلق فرص العمل والإنتاج التي تنقلها من الحاجة إلى الاكتفاء

التاريخ الاقتصادي يثبت أن استبدال الدعم ممكن، بل ناجح، حين يُنفَّذ بذكاء .. ففي المكسيك أطلقت الحكومة عام 1997 برنامج “Progressa” الذي استبدل الدعم الغذائي العام بتحويلات نقدية، وربط صرفها بسلوكيات محددة كإرسال الأطفال إلى المدرسة والمتابعة الصحية .. بتطبيق هذا النظام انتقلت الأموال من دعم غير فعّال إلى برنامج يصل فعلاً إلى الفقراء .. تكرر النموذج ذاته في عشرات الدول حول العالم .. ففي إندونيسيا مثلاً، رفع إلغاء الدعم عام 2005 أسعار الوقود بنسبة تجاوزت 125% في المتوسط، لكن الحكومة لم تترك الناس لمصيرهم، فصرفت تحويلات نقدية لنحو 20 مليون أسرة، أي ثلث السكان تقريباً، بعد اختبار لقياس الحاجة .. ثم عاد رئيس البلاد عام 2014 وأزال دعم البنزين بالكامل، فوفّرت الدولة ما يزيد على 10% من إجمالي الإنفاق الحكومي وجّهته إلى البنية التحتية والصحة والتعليم والقرى، وهي كلها استثمارات تبني الإنتاج بدل أن تحرق الوقود .. خاصة بعد أن أثبتت الدراسات أن الدعم القديم كان ظالماً بالفعل، إذ لم يحصل النصف الأفقر من السكان إلا على نحو 20% من ميزانية الدعم بالنظام القديم

وفي الهند، كانت أسطوانة الغاز تُباع للجميع بسعر مدعوم، فتحولت إلى سلعة للتهريب والتلاعب والفواتير الوهمية .. فجاء برنامج PAHAL ليبيع الأسطوانة بسعر السوق ويحوّل قيمة الدعم نقداً إلى حساب المستهلك الفعلي .. والنتيجة أن  أكثر من 33 مليون وصلة غاز وهمية أُوقفت، الأمر الذي وفر على الحكومة الهندية مليارات الدولارات التي كانت تذهب لجيوب المهربين والمضاربين، دون أن يخسر المستحق شيئاً 

القاسم المشترك بين هذه التجارب أنها لم تُلغِ الدعم ثم تنسحب، بل نقلته من السلعة إلى الإنسان .. أُعلنت للناس مسبقاً، وبدأت بتعويض الأضعف قبل رفع الأسعار، وبنت قاعدة بيانات تعرف من يستحق، ثم أعادت توجيه الوفر إلى ما يرفع الإنتاج والدخل .. فالمشكلة لم تكن يوماً في مساعدة الفقير، بل في طريقة تصميم البرنامج الذي يفترض أن يساعده

‎وفي النهاية، الصورة الكبيرة أبسط مما نظن .. فدعم الاستهلاك يتعامل مع الاقتصاد كأنه كعكة ثابتة، كل ما نفعله أن نقتطع منها شرائح ونوزعها، ثم نعيد الكرّة كل عام بشريحة أصغر لأن الكعكة لا تكبر بل تُستهلك .. أما دعم الإنتاج فيبدأ من سؤال مختلف: كيف نجعل الكعكة نفسها أكبر، فتكبر معها حصة كل فرد دون أن يخسر أحد شيئاً؟ .. فالدينار الذي يُوجَّه إلى مصنع أو ورشة تدريب أو طريق أو مشروع ناشئ أو قطاع يصدّر لا يُستهلك بل يتكاثر .. يخلق وظيفة، والوظيفة تدفع راتباً، والراتب يُنفق في السوق، والسوق يطلب مزيداً من الإنتاج، فتدور العجلة وتكبر بدل أن تتآكل .. والدول التي نهضت لم تفعل ذلك بالصدفة، بل حين قررت أن تحوّل ثروتها الناضبة إلى أصول تدرّ دخلاً دائماً، بدل أن تحرقها وقوداً رخيصاً يضيء اليوم ويُطفأ غداً .. فالسؤال الذي يجب أن نطرحه ليس كم ندعم، بل ماذا نبني بما ندعم به،لأن الدعم الذي لا يبني شيئاً إنفاق، والدعم الذي يبني قدرة على الإنتاج استثمار،والأمم لا تنهض بتوزيع ما لديها، بل بمضاعفته

مشاركة الخبر