
| أخبار
“البوري” يكتب: أزمة ليبيا اليوم ليست أزمة نقص في الدولار بقدر ما هي أزمة إدارة للموارد العامة والثقة والسياسة المالية
كتب الخبير المصرفي”نعمان البوري” منشورا قال فيه: أزمة ليبيا اليوم ليست أزمة نقص في الدولار بقدر ما هي أزمة إدارة للموارد العامة والثقة والسياسة المالية. وهذا مهم جداً، لأن ضخ مزيد من الدولار في السوق أو تخفيض قيمة الدينار مرة أخرى لن يعالج أصل المشكلة.
صندوق النقد في تقييمه لليبيا في أبريل 2026 وصل إلى خلاصة مشابهة: العجز المالي الكبير يضغط على سعر الصرف والاحتياطيات والتضخم، وأن تدخلات المصرف المركزي وحدها لا يمكن أن تكون حلاً دائماً.
ماذا نحتاج فعلياً؟
1. توحيد السياسة المالية قبل أي شيء
يجب أن تكون هناك ميزانية ليبية واحدة، وإيراد نفطي واحد، وإنفاق حكومي واحد، يخضع للرقابة والشفافية.
لا يمكن للمصرف المركزي أن يدافع عن الدينار بينما الإنفاق العام يتوسع بلا سقف واضح.
2. وقف تمويل العجز (خلق نقود)
هذه نقطة جوهرية.
إذا كانت الحكومة تنفق أكثر بكثير مما تستطيع الدولة تحمله من إيرادات حقيقية، فإن الضغط سينتقل في النهاية إلى:
الدينار → الدولار → الأسعار → القوة الشرائية للمواطن.
ولهذا فإن معالجة سعر الصرف تبدأ من المالية العامة، وليس من سوق الصرف فقط.
3. إصلاح منظومة الدعم، وليس إلغاؤها ببساطة
دعم الطاقة يستهلك موارد ضخمة، وصندوق النقد يقدّر دعم الطاقة بنحو 20% من الناتج المحلي، بينما تبلغ فاتورة الأجور نحو 30% من الناتج.
الحل ليس أن نرفع الأسعار على المواطن فجأة، وإنما:
تحويل الدعم السلعي إلى دعم نقدي مباشر ومستهدف.
حماية محدودي الدخل.
تقليص الهدر والتهريب.
إعادة توجيه الأموال إلى الاستثمار والخدمات.
4. إعادة بناء الثقة في الدينار
بعد تخفيض الدينار بنسبة 14.7% في يناير 2026 إلى 6.3759 دينار للدولار، أصبح واضحاً أن تخفيض قيمة العملة وحده لا يكفي.
المطلوب هو الوصول تدريجياً إلى سعر صرف موحد وقابل للاستدامة، بدلاً من وجود فجوة كبيرة بين السعر الرسمي والموازي.
لكن يجب أن أؤكد نقطة مهمة:
توحيد سعر الصرف نتيجة للإصلاح، وليس بديلاً عن الإصلاح.
5. إدارة عائدات النفط بطريقة مختلفة تماماً و اعادة هيكله قطاع النفط .
ليبيا لديها حالياً فرصة نادرة: ارتفاع الإنتاج النفطي وارتفاع أسعار النفط نسبياً. لكن إذا أنفقنا كل الإيرادات الإضافية، سنعود إلى نفس الأزمة عندما تنخفض الأسعار. صندوق النقد يحذر تحديداً من استخدام العائدات النفطية الاستثنائية لزيادة الإنفاق الجاري.
أقترح تقسيم الإيرادات النفطية إلى ثلاثة مسارات:
الإنفاق الجاري الضروري + صندوق استقرار/احتياطي + استثمار تنموي.
ولا يجوز استخدام إيرادات النفط الاستثنائية لزيادة الرواتب والمصروفات الدائمة.
6. تحويل النفط من مصدر لتمويل الدولة إلى محرك للاقتصاد
وهنا أعتقد أن ليبيا تحتاج إلى تغيير فلسفة الاقتصاد بالكامل.
بدلاً من أن نقول:
“كم مليار دولار سنحصل عليها من النفط هذه السنة؟”
يجب أن نسأل:
“كيف نستثمر كل دولار نفطي لكي ينتج دولاراً إضافياً خارج النفط؟”
الاستثمار يجب أن يذهب إلى قطاعات مثل:
الكهرباء والطاقة المتجددة
البنية التحتية
الزراعة والصناعات الغذائية
اللوجستيات والموانئ
السياحة
الاتصالات والتكنولوجيا
الخدمات المالية والتكنولوجيا المالية
الصناعات المرتبطة بالنفط والغاز
وهذا يتفق مع توصيات البنك الدولي بضرورة تقليص هيمنة الدولة وخلق بيئة أفضل للقطاع الخاص وتنويع الاقتصاد.
7. إصلاح المصارف و تفعيل دور القطاع الخاص
لا يمكن بناء اقتصاد حقيقي إذا بقيت المصارف مجرد قنوات لصرف الرواتب وتمويل الاستهلاك.
نحتاج إلى:
مصارف تموّل الشركات والمشروعات الإنتاجية.
وهنا يأتي دور التكنولوجيا المالية والمدفوعات الرقمية والـ credit scoring والسجلات الائتمانية، بحيث يستطيع القطاع الخاص الحصول على تمويل بناءً على نشاطه وتدفقاته وليس فقط على الضمانات العقارية.
8. استقلالية المصرف المركزي
وهذه أصبحت أكثر أهمية الآن، خصوصاً مع استقالة المحافظ ناجي عيسى التي أُعلن عنها في 10 أغسطس 2026.
المصرف المركزي يجب أن يكون:
مؤسسة مهنية مستقلة، وليس أداة لتمويل الحكومة أو طرفاً في الصراع السياسي.
ويجب أن تكون مهمته الأساسية واضحة:
استقرار الأسعار + حماية الاحتياطيات + سلامة القطاع المصرفي + سياسة نقدية مستقلة.
ليبيا لا تحتاج فقط إلى “إصلاح اقتصادي”. ليبيا تحتاج إلى عقد اقتصادي جديد بين الدولة والمواطن.
العقد القديم هو:
النفط → الدولة → رواتب ودعم → استهلاك → استيراد.
وهذا النموذج وصل إلى حدوده.
النموذج الجديد يجب أن يكون:
النفط → استقرار مالي واستثمار → قطاع خاص → إنتاج وصادرات → وظائف → اقتصاد متنوع.
والأهم: لا أعتقد أن الحل هو تخفيض الدينار مرة ثالثة ثم انتظار تحسن الاقتصاد. إذا لم يتغير حجم الإنفاق الحكومي وطريقة إدارة النفط والدعم والمصارف، فإن أي تخفيض جديد سيكون مجرد تأجيل للأزمة.





