كتب عضو بديوان المحاسبة “ابومدين الزليطني” مقالاً حول الأزمات التي مر بها ديوان المحاسبة قال فيه: ديوان المحاسبة بين تقويض الاختصاص وفرض الأمر الواقع بقوة السلاح
ليس الاعتداء على مؤسسة رقابية مستقلة حادثةً تبدأ عند بوابتها وتنتهي بانسحاب المسلحين منها. الاعتداء الحقيقي يبدأ قبل ذلك بكثير، حين تُنتزع اختصاصاتها، وتُنازع قيادتها، وتُصنع لها مراكز قانونية موازية، ثم يُستدعى السلاح لحسم ما عجزت السياسة عن تمريره بالقانون.
هذه هي قصة ديوان المحاسبة الليبي خلال السنوات الأخيرة. إنها ليست مجرد خلاف على اسم رئيس أو وكيل، بل صراع على المؤسسة التي يفترض أن تراقب الإنفاق العام وتكشف الانحراف في إدارة المال العام، وتراجع تصرفات الحكومة والجهات التابعة لها. ويعمل الديوان وفق الاختصاصات الممنوحة له بموجب القانون رقم 19 لسنة 2013 بشأن إعادة تنظيمه.
ما جرى لم يكن سلسلة حوادث منفصلة … بدأ المسار بقانون يقلص اختصاص الديوان، ثم انتقل إلى محاولة تغيير قيادته بقرارات متنازع على قانونيتها، ووصل إلى اقتحام مقره بالسلاح وفرض وكيل عليه، ثم اكتمل المشهد بتعميم حكومي يطلب من مؤسسات الدولة التعامل مع الأمر الواقع الجديد.
وعند جمع هذه الوقائع في خط زمني واحد، يصبح عنوانها الأقرب: أمرٌ دُبِّر بليل.
الفصل الأول: سحب رقابة العقود من الديوان
في 27 فبراير 2023، صدر عن مجلس النواب القانون رقم 2 لسنة 2023، مضيفًا اختصاصات جديدة إلى هيئة الرقابة الإدارية. وقد نقل القانون إليها جانبًا جوهريًا من الرقابة المسبقة والمصاحبة واللاحقة على العقود . كما اشترط مصادقة الهيئة على هذه العقود، ومنحها سلطة فحص المستندات وحضور لجان العطاءات.
وبعد أيام، أعلنت هيئة الرقابة الإدارية أنها باشرت إجراءات استلام العقود وفحص الدفعات ومتابعة المشروعات، وشكلت لجنة للتسليم والتسلم مع ديوان المحاسبة الليبي.
لم يكن التغيير تنظيميًا بسيطًا. ففحص العقود ومراجعة الدفعات يمثلان أحد أهم مفاصل الرقابة على الإنفاق العام، لأن الرقابة المسبقة تستطيع إيقاف المخالفة قبل أن تتحول إلى التزام مالي أو واقع تنفيذي يصعب تداركه. أما نقل هذه السلطة من الديوان إلى جهاز آخر، وفي ظل انقسام سياسي ومؤسسي، فيعيد توزيع النفوذ الرقابي على مليارات الدنانير من العقود والمشروعات العامة.
كما أثيرت اعتراضات جدية على سلامة إصدار القانون. فقد نُقلت إفادات عن أن التصويت عليه جرى بأحد عشر صوتًا فقط، مع وجود اعتراضات على النصاب والإجراءات البرلمانية ومدى عرض المشروع على اللجان المختصة قبل التصويت.
حكم المحكمة العليا بشأن قانون 2023
اصدرت المحكمة العليا الحكم الدستوري رقم 9 لسنة 70 قضائية، الصادر في 17 يناير 2024، والمتعلق بالقانون رقم 2 لسنة 2023، وموضوعه اختصاصات هيئة الرقابة الإدارية وديوان المحاسبة الليبي والرقابة المالية ومبدأ الفصل بين السلطات. ويصنف الحكم ضمن أحكام عدم الدستورية.
الفصل الثاني: من النزاع الإداري إلى اقتحام المؤسسة
في أواخر عام 2024 وبداية عام 2025، انتقل الصراع من اختصاصات الديوان إلى قيادته. برز اسم عطية الله السعيطي بوصفه وكيلاً مكلفًا للديوان بقرار من مجلس النواب، ثم دخل في نزاع قانوني وإداري مع رئيس الديوانخالد شكشك حول الصفة وسلطة إدارة المؤسسة.
وفي أبريل 2025، محكمة جنوب طرابلس قضت بقانونية استمرار خالد شكشك في رئاسة الديوان ورفضت الطعن المرتبط بنزاع الوكيل السابق.
الفصل الثالث: قرار أحمد عون وتجاوز طريق التوافق
في 14 أبريل 2025، كلّف محمد تكالة، بصفته رئيسًا للمجلس الأعلى للدولة، أحمد عون ضو بمهام رئيس ديوان المحاسبة الليبي مؤقتًا، إلى حين التوافق مع مجلس النواب. كما تضمن الإجراء تشكيل لجنة للتسليم والتسلم من الوكيلعطية الله السعيطي.
لكن عقيلة صالح رفض القرار، ووجه الجهات العامة بعدم الاعتداد به، معتبرًا أن قرار شغل المنصب السيادي يصدر عن مجلس النواب، حتى عندما يسبقه تشاور مع المجلس الأعلى للدولة. كما وصف أعضاء من مجلس الدولة القرار بأنه يفتقر إلى الأساس القانوني ولم يسبقه تصويت أو توافق مؤسسي
المشكلة هنا لا تتعلق بكفاءة أحمد عون ضو أو عدمها، بل بالطريق الذي استُخدم لتكليفه. فالمؤسسات السيادية لا تُدار برسائل منفردة، ولا تتحول عبارة (إلى حين التوافق) إلى ترخيص بالاستيلاء المؤقت على سلطة التعيين.
فإذا كان المنصب يحتاج إلى توافق، فإن غياب التوافق يمنع التعيين، ولا يبرر إصدار قرار أحادي باسم مرحلة مؤقتة قد تتحول، كما يحدث كثيرًا في ليبيا، إلى واقع دائم.
الفصل الرابع: الغنيوات والعقود التي ظهرت بعد سقوط النفوذ المسلح
بعد مقتل عبد الغني الككلي، المعروف باسم (غنيوة)، في 12 مايو 2025، ظهرت تساؤلات واسعة عن شبكات النفوذ المالي والشركات والعقود المرتبطة بالمواقع التي كان يسيطر عليها جهاز دعم الاستقرار. و أن ديوان المحاسبة الليبي قرر تجميد حسابات مصرفية تخص جهاز دعم الاستقرار وجهاز الأمن الداخلي وهيئة أمن المرافق والمنشآت وشركة شمال أفريقيا للتنمية والاستثمار القابضة والشركات التابعة لها
هذه القرارات تثبت أن الديوان تعامل مع آثار مالية ومؤسسية خطرة ظهرت بعد انهيار مركز نفوذ مسلح كبير.
وهنا تظهر المفارقة: اختصاصات سُحبت من الديوان في 2023، ثم ظهرت الحاجة الملحة إلى رقابة جدية على آثار منظومات النفوذ والعقود بعد أحداث 2025. والسؤال المشروع هو: هل كان إعادة توزيع الاختصاص الرقابي حمايةً للمال العام، أم إضعافًا للجهة الأكثر قدرة على تتبع مسار الإنفاق الحكومي كاملًا؟
اعترافات المعمري: الوجه الآخر لنقل اختصاص فحص العقود
بعد سقوط منظومة عبد الغني الككلي، المعروف باسم (غنيوة)، انتشر بتاريخ 15 مايو 2025 تسجيل قُدم على أنه يتضمن اعترافات لشخص يدعى هيثم علي المعمري، من مواليد 1992 والمقيم في منطقة الهضبة الخضراء في طرابلس.
وبحسب الأقوال الواردة في التسجيل، ذكر هيثم علي المعمري أنه كان موظفًا في جهاز الرقابة على الأغذية والأدوية، ثم جرى تكليفه بإدارة فحص العقود في هيئة الرقابة الإدارية، وتضمنت الأقوال المنسوبة إليه ادعاءات بالغة الخطورة، إذ قال إنه قام بابتزاز بعض الشركات والحصول منها على أموال مقابل المصادقة على العقود المبرمة بينها وبين الجهات العامة والممولة من الخزانة العامة.وان هذه الأموال قد بلغت قيمتها مئات الملايين تقاسمها مع رؤساء جهات امنية كانت موجودة ان ذاك ، وفيديو الاعتراف موجود باليوتيوب لمن أراد ان يعود اليه.
لماذا يمثل التسجيل نقطة تحول؟
إذا من خلال التسجيل، وهوية المتحدث، وصفته الوظيفية، فإن مضمونه لا يكشف مجرد وقائع رشوة فردية. بل يشير إلى وجود منظومة منظمة للسيطرة على بوابة اعتماد العقود العامة.
فالسيطرة على إدارة فحص العقود تعني امتلاك القدرة على:
1. تعطيل عقود شركات ترفض الدفع.
2. تمرير عقود شركات مرتبطة بمراكز النفوذ.
3. استخدام المصادقة الرقابية وسيلةً للابتزاز.
4. السيطرة على عقود تمول بملايين الدينارات من الخزانة العامة.
5. تحويل الوظيفة الرقابية من أداة لحماية المال العام إلى أداة لتحصيل الرشى وتقاسمها.
6. إضفاء مظهر قانوني وإداري على عقود قد تكون مرتبطة بجماعات أو شخصيات نافذة.
.
العلاقة بنقل الاختصاص من ديوان المحاسبة
هنا تظهر أهمية القانون رقم 2 لسنة 2023، الذي نقل جانبًا أساسيًا من اختصاص فحص العقود ومراجعة الدفعات من ديوان المحاسبة الليبي إلى هيئة الرقابة الإدارية.
والى من جرى تمكينه، وفق أقواله، من إدارة فحص العقود بتدخل شخصية أمنية، وأن هذا الشخص كان يتلقى تعليمات بابتزاز الشركات وتمرير عقود لمصلحة جهات نافذة، فإن ذلك يفرض سؤالًا لا يجوز تجاهله:
هل كان نقل اختصاص فحص العقود من ديوان المحاسبة إلى هيئة الرقابة الإدارية مجرد إعادة تنظيم للرقابة، أم كان خطوة لازمة لنقل السيطرة على العقود العامة إلى دائرة نفوذ أمنية ومالية محددة؟
والراي هنا : انها تقدم قرينة قوية على الجهة التي ربما استفادت عمليًا من هذا النقل، وتكشف كيف كان من الممكن استخدام الاختصاص بعد نقله.
الفصل الخامس: 21 أكتوبر 2026، حين دخل السلاح إلى الديوان
في 21 أكتوبر 2026، انتقل الصراع إلى أخطر مراحله. دخلت عناصر مسلحة مقر ديوان المحاسبة الليبي في منطقة الظهرة بطرابلس، في محاولة لتمكين أنور الهوش من مباشرة مهام وكيل الديوان.
وينص القانون رقم 19 لسنة 2013، على أن تعيين وكيل الديوان يتم بقرار من السلطة التشريعية. وفي المقابل، ارتبط تكليف أنور الهوش بمراسلة منسوبة إلى محمد تكالة (وللمرة الثانية )، ولكن اعترض عليها النائب الأول لرئيس المجلس الأعلى للدولة ناجي مختار، وطالب بعدم الاعتداد بها إلى حين التحقق من صحتها واستيفائها للإجراءات القانونية والمؤسسية. كما رفض مجلس النواب التكليف المنفرد ودعا الجهات إلى عدم التعامل معه
أعلن الديوان، عقب الواقعة، تعليق العمل حتى إشعار آخر، وقال إن فرض وكيل بالقوة عرض سلامة العاملين للخطر وقوض استقرار بيئة العمل، وإن مؤسسة رقابية عليا لا تستطيع ممارسة اختصاصاتها في أوضاع تُفرض فيها الوقائع بالإكراه المسلح
الدعم الدولي لاستقلال الديوان
أدانت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا استخدام القوة والترهيب لفرض تعيين متنازع عليه، وطالبت بانسحاب العناصر المسلحة وتسوية النزاع عبر القنوات القانونية والمؤسسية. كما أعربت السفارة الأمريكية عن قلقها ودعت إلى خفض التصعيد، وحماية استقلال المؤسسات الرقابية، وأكدت دعمها للعمل الفني الذي يمارسه الديوان.
وقبل ذلك، كانت سفارات الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا وفرنسا وإيطاليا قد أكدت أهمية الديوان في ضمان كفاءة إدارة المال العام ومواجهة الفساد وسرقة الموارد، وجددت دعمها لاستقلاله وقيادته بعيدًا عن التدخلات السياسية.
كما استمر المجتمع الدولي في التعامل مع خالد شكشكبصفته رئيس الديوان. فقد بحث مع مسؤولين أمريكيين دور المؤسسة في تعزيز الشفافية والانضباط المالي، كما بحث مع بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا دعم الحوكمةوالإصلاح المؤسسي ومكافحة الفساد.
لكن يجب فهم هذا الدعم في حدوده الصحيحة. الدعم الدولي ليس حكمًا قضائيًا، ولا يمنح الشرعية من تلقاء نفسه. قيمته تكمن في رفض استخدام السلاح، والتمسك باستقلال الديوان، واستمرار التعامل المؤسسي مع قيادته القائمة. أما الشرعية النهائية فتُحسم بالقانون الليبي والأحكام القضائية الصحيحة وإجراءات التعيين المقررة.
الفصل السادس: حكومة الوحدة لم تكن متفرجًا محايدًا
الأكثر دلالة جاء بعد الاقتحام.
ففي الأول من نوفمبر 2026، أُعلن أن حكومة الوحدة الوطنية وجهت جميع الجهات والهيئات والمؤسسات والمصالح والمراكز التابعة لها إلى تعميم تكليف أنور عامر مسعود الهوش بمهام وكيل ديوان المحاسبة الليبي، واتخاذ الإجراءات اللازمة لتنفيذ التكليف. وقد استند كتاب ديوان مجلس الوزراء، ، إلى كتاب صادر عن رئيس المجلس الرئاسي بتاريخ 19 أكتوبر 2026.
هذه الخطوة تنقل موقف الحكومة من دائرة الصمت إلى دائرة المشاركة الإدارية المباشرة في تثبيت التكليف المتنازع عليه.
لا يمكن لحكومة أن تقول إنها لا تتدخل في شأن مؤسسة رقابية مستقلة، ثم توجه الوزارات والجهات التابعة لها إلى التعامل مع شخص فُرض دخوله إلى مقر المؤسسة وسط وجود مسلح واعتراضات قانونية من مجلس النواب وأطراف داخل المجلس الأعلى للدولة.
ولا يمكن فصل هذا التعميم عن حقيقة أن القوة التي نُسب إليها الاقتحام تتبع، هيكلاً عسكريًا مرتبطًا بحكومة الوحدة، وأن قائدها يشغل كذلك منصبًا في الاستخبارات العسكرية التابعة للحكومة
هذه الوقائع تكفي سياسيًا لطرح استنتاج مشروع: هناك تلاقٍ واضح في المواقف والنتائج بين قرار التكليف، والتحرك المسلح الذي حاول فرضه، والتعميم الحكومي اللاحق الذي سعى إلى إكسابه أثرًا إداريًا عامًا.
وهذا هو المعنى السياسي لعبارة: أمرٌ دُبِّر بليل. ليس لأنها تثبت اجتماعًا سريًا محددًا، بل لأن القرارات تبدو، عند وضعها جنبًا إلى جنب، حلقات متتابعة تصب جميعها في نتيجة واحدة: تغيير موازين القيادة داخل الجهاز الرقابي الأعلى وفرض واقع جديد قبل حسم شرعيته قضائيًا ومؤسسيًا.
أمر دُبّر بليل
عند قراءة الوقائع متتابعةً، يصبح المشهد أكثر وضوحًا.
في سنة 2023، سُحب من ديوان المحاسبة الليبي جانب جوهري من رقابته السابقة على العقود والدفعات، ونُقل إلى هيئة الرقابة الإدارية. وبعد سقوط منظومة عبد الغني الككليفي مايو 2025، ظهر تسجيل يتضمن ادعاءات بأن إدارة فحص العقود نفسها كانت واقعة تحت تأثير شخصيات أمنية، وأنها استُخدمت لابتزاز الشركات وتمرير عقود مقابل الأموال.
ثم تتابعت محاولات تغيير قيادة الديوان وفرض رؤساء أو وكلاء عليه بقرارات متنازع على قانونيتها. ووصل الأمر لاحقًا إلى استخدام قوة مسلحة لتمكين وكيل داخل مقر المؤسسة، ثم إصدار تعميم حكومي يطلب من الوزارات والهيئات التعامل معه.
ان تتابع هذه الوقائع يكشف نمطًا سياسيًا ومؤسسيًا واضحًا:
1. تجريد المؤسسة الرقابية من اختصاص مؤثر.
2. نقل الاختصاص إلى جهة يمكن التأثير في بعض مفاصلها.
3. استخدام فحص العقود بوابةً للابتزاز وتقاسم العائدات.
4. محاولة تغيير قيادة الديوان بقرارات أحادية.
5. استخدام القوة المسلحة لفرض الأمر الواقع.
6. منح ذلك الواقع غطاءً إداريًا من الحكومة.
عند هذه النقطة لا تصبح عبارة )أمرٌ دُبِّر بليل( مجرد عنوان بلاغي، بل وصفًا لمسار تتكامل فيه القرارات السياسية، والمصالح المالية، والنفوذ الأمني.
لا تحاول تنظيف الزريبة
تكتسب الحكمة المصرية (لا تحاول تنظيف الزريبة )معناها الكامل في هذا السياق.
المقصود ليس تشبيه أشخاص بعينهم بالحيوانات، المقصود وصف بيئة مؤسسية فاسدة اعتادت أن تتغذى من الفوضى وتحمي مصالحها من خلال النفوذ والسلاح والقرار الإداري.
فمن يحاول تنظيف هذه البيئة يواجه ثلاثة مخاطر:
1. ضياع الجهد
كلما كشف ديوان المحاسبة الليبي مخالفة أو أوقف دفعةً أو اعترض على عقد، أعادت المنظومة إنتاج المخالفة من طريق آخر. وإذا أُغلقت بوابة، فُتحت بوابة موازية بقرار سياسي أو إداري.
2. تلويث من يحاول الإصلاح
بدل التحقيق في العقود والدفعات المشبوهة، يجري تحويل المعركة إلى صفة رئيس الديوان ومدة ولايته وقانونية قراراته. وهكذا يصبح الرقيب نفسه متهمًا، ويُستنزف في المحاكم والمراسلات والصراعات الإدارية.
3. هجوم المستفيدين من الفوضى
من اعتاد الحصول على العقود والمال والنفوذ دون رقابة لن يقبل تنظيف البيئة التي تمنحه مصالحه. ولذلك لا يكتفي بمقاومة الإصلاح سياسيًا، بل قد يحاول تجريد الجهة الرقابية من اختصاصها، أو تنصيب قيادة موالية له، أو اقتحام مقرها بالقوة.
لكن الحكمة لا ينبغي أن تتحول إلى دعوة للاستسلام. لا يجوز أن يكون معناها ترك ( الزريبة ) لأصحابها. معناها الصحيح أن تنظيفها لا يتم بموظف شريف أو مؤسسة معزولة فقط، بل بتغيير النظام الذي ينتج الفساد ويحميه.
فالمشكلة ليست في عين ترى الخلل، بل في واقع يريد لتلك العين أن تُغمض.
إن ديوان المحاسبة ليس غنيمة
إن ما حدث في 21 أكتوبر 2026 ليس مجرد اقتحام لمبنى حكومي؛ إنه اعتداء على فكرة الدولة ذاتها، وعلى مبدأ الفصل بين السلطات، وعلى استقلال المؤسسة التي تتولى حماية المال العام.
وإذا كانت المحكمة العليا قد حسمت اختصاص ديوان المحاسبة الدستوري، وإذا كانت المحاكم المختصة قد أصدرت أحكامًا بشأن شرعية رئيسه، وإذا كانت المؤسسات الدولية قد أكدت رفض التدخل المسلح في شؤونه، فإن المطلوب اليوم ليس مزيدًا من القرارات المتضاربة، بل احترام القانون، وتنفيذ الأحكام، والتحقيق في واقعة الاقتحام، ومحاسبة المسؤولين عن استخدام القوة لفرض الأمر الواقع.
إن ديوان المحاسبة ليس ملكًا لرئيسه، ولا لوكيله، ولا لمجلس النواب، ولا للمجلس الأعلى للدولة، ولا لأي حكومة أو جهاز مسلح.
إنه ملك للدولة الليبية، وحق أصيل للشعب الليبي، وأمانة لحماية المال العام.
والمساس باستقلاله ليس مجرد خلاف سياسي؛ بل هو مساس بحق الليبيين في الرقابة والمساءلة، وتهديد مباشر لما تبقى من مؤسسات الدولة.
فإذا كان هناك من يضيق ذرعًا بالمحاسبة، فإن الحل ليس في إغلاق أبواب الديوان، ولا في اقتحامه، ولا في فرض قياداته بالقوة؛ وإنما في إصلاح منظومة الحكم نفسها، بحيث يصبح القانون فوق الجميع، وتكون الرقابة حقًا دستوريًا لا يخضع للمساومة.
فالمال العام ليس غنيمة، وديوان المحاسبة ليس غنيمة، والمحاسبة ليست خصمًا سياسيًا؛ بل هي الضمانة الأخيرة لحماية الدولة من أن تتحول إلى ملكية خاصة لمن يمتلك القوة والنفوذ.
وإذا لم يُدرك الليبيون أن استقلال ديوان المحاسبة هو استقلال حقهم في معرفة مصير أموالهم، فإن كل محاولة لإضعافه ستظل أمرًا دُبِّر بليل، وستظل الدولة تدفع ثمنًا باهظًا من حاضرها ومستقبلها.
الخلاصة: المعركة ليست على كرسي، بل على المال العام
ما تعرض له ديوان المحاسبة الليبي منذ 2023 يكشف مسارًا خطيرًا:
1. سُحبت منه اختصاصات جوهرية في فحص العقود ومراجعة الدفعات.
2. نشأ نزاع على صفة رئيسه ووكيله، واستخدمت فيه قرارات وأوامر قضائية متشابكة.
3. صدر تكليف أحادي لرئيس جديد دون توافق مكتمل بين المجلسين.
4. جرت محاولة فرض وكيل جديد داخل مقر الديوان تحت غطاء قوة مسلحة.
5. أصدرت الحكومة تعميمًا يطلب من مؤسساتها التعامل مع الوكيل المتنازع على قانونية تكليفه.
6. تعطلت أعمال الديوان وفروعه، فأصبح المال العام هو الخاسر المباشر.
إن أخطر أشكال الفساد ليس سرقة المال بعد صرفه، بل تعطيل الجهة القادرة على منع السرقة قبل وقوعها.
ولذلك فإن اقتحام ديوان المحاسبة ليس شأنًا إداريًا داخليًا، ولا خلافًا شخصيًا بين خالد شكشك وأنور الهوش أو أحمد عون ضو أو عطية الله السعيطي. إنه اختبار لوجود الدولة نفسها: هل تخضع المؤسسات للقانون، أم تتحول القرارات السياسية إلى أوامر تنفذها القوة المسلحة ثم تمنحها الحكومة غطاءً إداريًا لاحقًا؟
إذا انتهت هذه الواقعة بقبول الأمر الواقع، فلن تكون النتيجة تعيين وكيل جديد فحسب. ستكون السابقة أخطر من المنصب: كل من يريد السيطرة على مؤسسة سيادية سيعرف أن الطريق الأقصر لا يمر عبر البرلمان أو القضاء، بل عبر القوة التي تقتحم المبنى، والصورة التي تُلتقط داخل المكتب، والتعميم الذي يصدر بعد ذلك ليطلب من الجميع التعامل مع النتيجة.
وهنا يصبح القول(أمرٌ دُبِّر بليل) وصفًا لمسار كامل، لا لحادثة منعزلة.
فالقانون يقول شيئًا، والمؤسسات تعترض، والقضاء يصدر أحكامه، والمجتمع الدولي يدين، لكن السلاح يدخل أولًا، ثم تأتي المراسلات لاحقًا لتمنح الاقتحام اسمًا إداريًا.
وما لم يُوقف هذا المسار، فلن يبقى من ديوان المحاسبة إلا اسمه، أما الرقابة الحقيقية فستكون قد اختُصرت في السؤال الذي تخشاه كل منظومة فساد:
من يحاسب من يملك السلاح والقرار والمال في وقت واحد؟




