كتب المستشار :مصطفى المانع”: سماء ليبيا بعد “الإيكاو”
“محطة مفصلية في تاريخ الطيران المدني الليبي”
يمثل قرار منظمة الطيران المدني الدولي (ICAO) الذي أعلنه الأمين العام للمنظمة خوان كارلوس سالاسار، خلال افتتاح أعمال الاجتماع الثامن لمديري عموم الطيران المدني في منطقة الشرق الأوسط المنعقد في العاصمة القطرية الدوحة يوم 23 أكتوبر، بإلغاء كافة التحذيرات والقيود الأمنية والتنظيمية المتعلقة بسلامة الطيران في المجال الجوي الليبي—والتي استمرت لأكثر من 13 سنة—انتصاراً استراتيجياً متكاملاً للإرادة الوطنية، وتتويجاً لمسار مكثف من الإصلاحات الهيكلية والتطوير التقني. إن هذا القرار لا يعد مجرد إجراء إداري، بل هو بمثابة شهادة اعتماد دولية متجددة لبيئة الطيران في الدولة الليبية، تعكس قدرة مؤسساتها على تحقيق أعلى معايير السلامة والملاءمة الفنية المعتمدة عالمياً.
“جهود حكومية وقيادة تنفيذية حازمة لوزارة المواصلات”
جاء هذا الإنجاز التاريخي نتيجة قيادة حكيمة ورؤية تنفيذية صارمة تبنتها حكومة الوحدة الوطنية، وتُرجمت ميدانياً عبر الجهود المتواصلة والمتابعة الحثيثة لوزير المواصلات السيد محمد الشهوبي وفرقه.
فقد عملت الوزارة، بالتنسيق الكامل مع مصلحة الطيران المدني وجميع الأجهزة الأمنية والخدمية ذات الصلة، وفق خطة عملية مدروسة شملت:
- تحديث البنية التحتية والملاحة الجوية: إعادة هيكلة نظم الاتصالات والمراقبة الجوية وتطوير معايير السلامة والأمن داخل المطارات والمجال الجوي.
- الامتثال للتدقيق الدولي: خوض جولات تدقيق واختبارات سلامة مكثفة مع فرق المنظمة الدولية والمنظمة العربية للطيران المدني، للوفاء بكافة المتطلبات والمعايير القياسية (SARPs).
- الدبلوماسية الفنية: فتح قنوات تواصل مباشر مع الهيئات الدولية والشُركاء الإقليميين لإعادة الثقة في الأجواء الليبية وإبراز الجاهزية العملية واللوجستية.

“القيمة الاقتصادية”
على الصعيد الاقتصادي، يفتتح هذا القرار آفاقاً واسعة لمرحلة جديدة من التعافي والنمو، تكمن أبرز أبعادها في:
-إنعاش الإيرادات السيادية للملاحة الجوية ، فاستعادة الحركة المباشرة وعبور الطائرات العالمية للمجال الجوي الليبي يُدر عوائد مالية مباشرة بالعملة الصعبة لقاء رسوم العبور (Overflight Fees)، مما يدعم خزانة الدولة ويخفف الضغط عن القطاعات النفطية.
-ارتفاع عدد تصاريح العبور المسجلة لموسم شتاء 2026-2027 ليصل إلى حوالي 62000 رحلة شهرياً اعتباراً من نوفمبر المقبل، مقارنة بحوالي 2,000 رحلة شهرياً في موسم 2025-2026، بزيارة 3000٪.
-خفض تكاليف الشحن والتأمين، اذ يسهم إلغاء التحذيرات الأمنية في خفض أقساط التأمين المرتفعة التي كانت تُفرض على الرحلات المتجهة إلى ليبيا، مما ينعكس إيجاباً على تقليل تكاليف الشحن الجوي وتسهيل حركة التجارة وسلاسل الإمداد.
-جذب الاستثمار الأجنبي والشركات العالمية، فالمظلة الأمنية المعتمدة دولياً تُشجع خطوط الطيران العالمية والشركات الاستثمارية على استئناف تشغيل خطوطها وتوسيع نشاطها في السوق الليبي.
-ازدهار حركة الطيران وتنافسية القطاع، فالقرار يمثل نقلة نوعية في كفاءة وانتظام حركة الطيران.
-زيادة الكثافة التشغيلية، فالقرار يسهل ربط ليبيا بالشبكات الجوية العالمية ودول الجوار دون الحاجة إلى محطات ترانزيت معقدة أو مسارات جغرافية بديلة عن الأجواء الليبية.
-رفع المستوى التنافسي للناقلات الوطنية، وذلك من خلال تمكين شركات الطيران الوطنية من توسيع وجهاتها وإبرام اتفاقيات “الرمز المشترك” (Code-share) والتكامل مع الشركات العالمية.
“الجاهزية التشغيلية”
تكتمل أركان هذا الإنجاز بالربط المباشر بين الرفع الدولي للقيود والأعمال القائمة على أرض الواقع لخلق جاهزية لمنظومة طيران متكاملة. وتتجسد هذه الجاهزية في المشاريع الاستراتيجية الكبرى المزمع تتويجها قريباً وأهمها:
-تكامل منظومة المطارات، ويأتي ذلك مع قرب افتتاح مطار طرابلس الدولي بحليته الحديثة وبنيته التكنولوجية المتقدمة ليكون محطة محورية (Hub) على مستوى شمال إفريقيا، إلى جانب القرب من إنجاز وافتتاح المشاريع التطويرية والتوسعية في كل من مطار مصراتة الدولي ومطار بنغازي (بنينا) الدولي ومطار سبها، بما يضمن توزيعاً متوازناً وسعة استيعابية عالية لكافة البلاد.
-إطلاق شركة طيران جديدة بالشراكة مع بوينغ، وهي خطوة مهمة تتوج هذه النقلة النوعية، اذ يجري التجهيز لإطلاق شركة طيران وطنية جديدة بالشراكة والتعاون الاستراتيجي مع شركة “بوينغ” (Boeing) العالمية، مما يسهم في تحديث أسطول الطيران بأحدث الطائرات المتقدمة وتطبيق أعلى معايير التشغيل والخدمات الفنية عالمياً.
إن هذا التكامل بين فتح المجال الجوي وتحديث البنية التحتية للمطارات وإطلاق الناقل الجديد سيوفر بيئة تشغيلية بمعايير عالمية تليق بموقع ليبيا الجغرافي الاستراتيجي.
ختاماً
إن القرار الصادر عن منظمة “الإيكاو” يسهم بشكل مباشر في استعادة هيبة وسمعة دولة ليبيا في المحافل الدولية؛ حيث يبعث برسالة طمأنة واضحة للعالم مفادها أن ليبيا باتت دولة آمنة ومستقرة وقادرة على إدارة أجواءها ومطاراتها وفق أعلى القواعد الدولية.
إن جهود وزارة المواصلات والحكومة لم تكن مجرد معالجة لملف أمني أو إداري، بل كانت تأسيساً لبنية تحتية سيادية تجعل من قطاع الطيران المدني قاطرة حقيقية للتنمية المستدامة، وبوابة لعودة ليبيا إلى مكانتها الطبيعية كصلة وصل بين قارات العالم.
ويبقى التزام الدولة بتنفيذ هذه الرؤية لاستدامة قطاع النقل الجوي، وفرض الحوكمة في ادارته، والعمل على تطوير الاداء التشغيلي للمؤسسات ذات الصلة، ومعالجة أية قيود دولية متبقية من سنوات الانقسام وضعف الدولة، وتطوير الكوادر الوطنية لضمان مواكبتها لهذه النقلة، أهم التحديات الضامنة لأن تكون سماء ليبيا مركز اقليمي للملاحة الجوية.
المستشار مصطفى المانع هو محامٍ ليبي وخبير قانوني واقتصادي منذ أكثر من 24 عامًا، عمل مع عدد من المؤسسات الاستثمارية والصناديق السيادية والبنوك في عدد من دول العالم بالإضافة إلى ليبيا، ويعمل كخبير لمراكز بحثية دولية، وعمل لسنوات كمستشار لمصرف ليبيا المركزي، وعضو مجلس إدارة المؤسسة الليبية للاستثمار والمصرف الليبي الخارجي، كما مثّل ليبيا في اجتماعات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، كما يرأس الفريق التنفيذي لمبادرات رئيس الوزراء والمشروعات الاستراتيجية، كما عمل خبيراً ومحاضراً مع نقابة المحامين الأمريكية، كما انه عضو المجلس الليبس الامريكي للتجارة والاستثمار، وله عدد من البحوث والمقالات المنشورة بالصحف العربية والأمريكية والأوروبية، وله آراءه الجريئة في ملفات التحول الاقتصادي والمالي.






