كتب الخبير الاقتصادي صابر الوحش مقالاً قال فيه: هل بدأ مصرف ليبيا المركزي في قيادة الفريق الاقتصادي بالكامل؟
لتبسيط الصورة وفهم ما يقوم به مصرف ليبيا المركزي اليوم، سوف نستعين بتشبيه السياسات الاقتصادية بفريق كرة قدم داخل ملعب، لكن بحكم جيد يسعى إلى إدارة جيدة للمباراة.
فالسياسة المالية تمثل قلب الهجوم، لأنها صاحبة التأثير الأكبر على حركة الاقتصاد من خلال الإنفاق العام وأدواتها الأخرى. أما السياسة النقدية، التي يقودها المصرف المركزي، فهي أشبه بالظهير الأيمن الذي يحاول احتواء الخطر والسيطرة على حركة اللعب ومنع وصول الضغط إلى المرمى، بينما تمثل السياسة التجارية الظهير الأيسر الذي ينظم حركة الاستيراد والتجارة الخارجية ودخول السلع إلى السوق.
وخلال السنوات الماضية، كانت السياسات الاقتصادية لا تتحرك في اتجاه واحد. ففي الوقت الذي كانت فيه السياسة النقدية تحاول السيطرة على سعر الصرف والحد من الضغوط على النقد الأجنبي، كان التوسع الكبير في الإنفاق العام يولد طلباً إضافياً على الدولار ويزيد من الضغط على السوق الموازية، وهو ما جعل السياسة المالية عملياً تتحرك بعكس ما تحاول السياسة النقدية تحقيقه، أما السياسة التجارية فكانت مصابة وخارج الملعب.
لكن المشهد اليوم يبدو مختلفاً نسبياً، خاصة بعد التفاهمات والاتفاقات المرتبطة بالإنفاق التنموي، والتي يُفترض أن تجعل السياسة المالية أكثر انسجاماً مع أهداف الاستقرار الاقتصادي، لا سيما إذا تم توجيه الإنفاق نحو مسارات إنتاجية وتنموية حقيقية.
وفي هذا السياق، يمكن فهم المراسلات الأخيرة الصادرة عن مصرف ليبيا المركزي. فالمصرف لم يعد يكتفي باستخدام أدوات السياسة النقدية فقط، بل بدأ يتحرك باتجاه إعادة توجيه بقية السياسات الاقتصادية للعمل ضمن هدف واحد مشترك.
فالمراسلة المتعلقة بإحالة قوائم الاعتمادات إلى وزارة الاقتصاد لا تبدو مجرد إجراء إداري أو رقابي، بل تعكس محاولة واضحة لإشراك السياسة التجارية بصورة أكبر في إدارة الأزمة الاقتصادية. فالمصرف المركزي وفر النقد الأجنبي وفتح قنوات رسمية للاستيراد والتحويلات، لكنه يريد في المقابل دوراً فعالاً من وزارة الاقتصاد في متابعة الأسواق والأسعار والتأكد من أن السلع المستوردة دخلت فعلاً إلى السوق المحلي وأسهمت في تخفيف الضغوط السعرية.
أما المراسلة المتعلقة بمنع الاستيراد وإعادة التصدير خارج المنظومة المصرفية، فهي تعكس إدراكاً واضحاً بأن جزءاً كبيراً من الضغط على سعر الصرف يأتي من التجارة التي تتم خارج القنوات الرسمية، لأن أي استيراد يتم بعيداً عن المنظومة المصرفية يعني تلقائياً وجود طلب إضافي على الدولار في السوق الموازية.
ومن هنا تبدو محاولة المصرف المركزي واضحة: فهو يسعى إلى دفع النشاط التجاري تدريجياً نحو المنظومة الرسمية، بعد أن قام بتوسيع أدوات الدفع والتحويل والحوالات بالنقد الأجنبي داخل الجهاز المصرفي.
وباختصار، يمكن القول إن المصرف المركزي يحاول اليوم إعادة تنظيم “الفريق الاقتصادي” بالكامل، بحيث تتحرك السياسة النقدية والسياسة المالية والسياسة التجارية في اتجاه واحد بدلاً من أن تعمل كل سياسة بمعزل عن الأخرى أو في اتجاه معاكس.
فالهدف الرئيسي الذي يحاول مصرف ليبيا المركزي تحقيقه هو توجيه هذه السياسات نحو السيطرة على سعر الصرف في السوق الموازية، وتقليص الطلب غير الرسمي على النقد الأجنبي، وكبح جماح التضخم الذي أصبح يمثل أحد أكبر التحديات أمام الاقتصاد الليبي.
ولهذا يمكن القول إن المصرف المركزي لا يدير السياسة النقدية فقط، بل أصبح عملياً يقود عملية إعادة توجيه السياسات الاقتصادية كافة نحو هدف موحد يتمثل في تحقيق قدر أكبر من الاستقرار النقدي والاقتصادي داخل الاقتصاد الليبي





